لم أقرأ كتابا وضعه كاتب يؤمن بأن "التكرار يعلم الحمار" مثل كتاب "كل رجال الباشا"، الذي كتبه الدكتور "خالد فهمي"، أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية، والحاصل بأحد مؤلفاته على جائزة جمعية التاريخ الاجتماعي البريطانية لعام 2020م، بنسق اعتمد الحرص على (التوضيح والتأكيد)، ومن ثم (التكرار). إذ في بداية كل فصل ـ من فصول الكتاب السبعة ـ يوضح الهدف من الفصل، والنقاط التي سيبرزها الفصل، والعناصر التي سيناقشها الفصل، ثم في نهايته يضع خاتمة تختصر ما ورد في الفصل! وفي نهاية الكتاب يضع خاتمة إجمالية تختصر الكتاب كله دون إضافة جديد! وأظنه نسقا يضايق القارئ الحصيف، عندما يصر الكاتب على محاصرة تفسيرات المتلقي الخاصة به، وتوجيهها قسرا إلى ما يقصده المؤلف تحديدا، مع ذلك لا يمكن إنكار أنه نسق مريح للقارئ المدرسي، الذي يفضل (لم) الموضوع في عناصر يسهل له استيعابها.
و"رجال الباشا" المقصودون بالعنوان هم "رجال الجيش" النظامي، الذي أنشأه "محمد علي" باشا، مؤسس الأسرة العلوية التي حكمت "مصر" لقرن كامل من الزمان، حكم منه ـ هو وحده ـ أربعة عقود.
أما "محمد علي" باشا، فاسمه الكامل "محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم أغا القوللي"، نسبة إلى مدينة "قولة" في "اليونان"، آخر عنقود مكون من 10 أخوة ذكور، مات جميعهم، ولم يبق سواه، ثم مات أبوه وأمه وهو في سن مبكرة، ليصير يتيما، وليتولاه عمه، الذي توفى بدوره، فيتولاه أحد أصدقاء والده من موظفي مؤسسة الحكم العثماني.
ولم يكن لمثل هذه البداية القاسية، التي ربما تعلل بها كثير من الضائعين في سبل الحياة، أن تتسبب في تعطيل مسيرة "محمد على" نحو الذيوع والسيادة والمجد، ولأن يكون رجلا لا يمكن للتاريخ العالمي أن يتجاهله. أما (السكة) إلى ذلك، فهي السكة القديمة المعروفة (إياها): الالتحاق بالجيش.
تدرب، ولكفاءته عين ضابطا نائبا لقائد كتيبة الألبان في الجيش العثماني المرسل إلى "مصر" كي يستنقذها من براثن "نابليون" الفرنسي. وبالتعاون العثماني الإنجليزي أمكن هزيمة "فرنسا" وطردها، ومن ثم عاد المماليك إلى حكم "مصر"، تحت قيادة الوالي العثماني "خسرو"، (أو خورشيد)، لكن "محمد علي" الطموح، لجأ إلى أساليب ماكرة لتحقيق هدفه العظيم سهل المنال: حكم "مصر".
تقرب إلى رجالات "مصر" بادعاء الورع والتدين، ولزوم الصلاة في أوقاتها خلفهم، وهكذا دواليك من الاصطناعات الدينية، فكان أن نجح في الاستحواذ على ثقة كبار رجالات الشعب (المتدين بطبعه)، ليقلب "عمر مكرم" الوالي "خسرو" باشا لصالح العسكري الألباني "محمد علي". ولم يجد السلطان العثماني بدا من الموافقة، فأصدر فرمان تعيين "محمد علي" واليا على "مصر"، ليقبض ذلك العسكري الطموح على أول حلمه الكبير، وقدر له أن يظل قابضا عليه (للآخِر)، إلى أن حققه كاملا مكتملا.
كانت البروتوكلات العثمانية تحدد لولاتها على البلاد والأقاليم مدة حكم لا تزيد عن العامين، وهي مدة لا تناسب بحال طموح هذا الرجل الداهية، فقرر ضرب هذا البروتوكول بعرض الحائط. ولن يستطيع ذلك إلا بالقوة.
في هذا الكتاب المكون من 450 صفحة قطع متوسط، طبعة "الشروق" ـ وقد قرأته في نسخة ألكترونية أهداها لي أحد أصدقائي الأعزاء ـ عمل الدكتور "خالد فهمي" على نفي الادعاءات القائلة بأن الطموح "الوطني" هو ما دفع بالباشا إلى إنشاء جيش "مصري" حديث على النمط الأوروبي، فأبرز رفض الشعب المصري من البسطاء والفلاحين المكونين للقاعدة الحربية في الجيش الناشئ للتجنيد، ومقاومته مقاومة مستميتة، وعلى مستويات مختلفة من الرفض، منها الجماعي، كما حدث في ابريل 1824م عندما انفجر "الصعيد" بانتفاضة قوامها 30 ألف شخص، من رجال ونساء وأطفال، تحت قيادة شيخ يدعى "رضوان"، ادعى أنه "المهدي المنتظر"، وأعلن كفر "محمد علي" بسبب سياساته الجائرة في "التجنيد" و"الضرائب". وتم إخماد هذا التمرد بعد لأي وشدة.
ولم يكن "الصعيد" فقط هو من تمرد، بل "وجه بحري" أيضا، في "المنوفية" تحديدا (وللعجب يمثل المنايفة الآن النسبة الغالبة في الجيش المصري). وقد قام الباشا بنفسه، على رأس قوة، بإخماد تمرد المنايفة. ومنها الفردي، عندما لجأ عوام المصريين إلى التحايل على التجنيد بطرق شخصية بالغة الإيلام، إلا أنهم رغم قسوتها رأوها أخف ألما من "التجنيد"، منها قطع السبابة، أو وضع سم الفئران في أعينهم ليصابوا بعمى مؤقت؛ وكانت الزوجات والأمهات يعاون رجالهن وأبنائهن لإتمام هذا التحايل الأليم، فلما نما إلى علم السلطة هذا التحايل، كان أن تم شنق بعض الأمهات على مداخل القرى إرهابا لعموم عوام المصريين.
وقد قاوم المصريون التجنيد لأنهم رأوه محاولة لإنشاء جيش خاص بـ"محمد علي" وأسرته، ولم يكن مفهوم "الوطنية" قد ظهر بعد. فيثبت الكتاب أن "الوطنية" لم تكن، للحظة، زعما من مزاعم "محمد علي" لتحريك الجيش، بل كان الوازع "الديني" ـ فقط ـ هو ما يحرك الجيش، ففي حروب "المورة" ضد اليونانيين الانفصاليين قيل للجنود إنهم سيحاربون المسيحيين الكفار، وفي صحراء "نجد" قيل لهم إنهم سيحاربون "الوهابية" الخارجين على الدين، وهكذا دائما للحاكم العربي ـ قديما وحديثا ـ نصيبه الكبير في الاتجار بالدين، وينقل الكتاب (على سبيل التأكيد) مقتطفا من خطاب كتبه "محمد علي" لابنه "إبراهيم"، قال فيه: "نظرا لأن الفلاحين ليسوا معتادين على الخدمة العسكرية، فيجب ألا يسحبوا إلى الجيش بالقوة. فعلينا ان نرغبهم فيه... ويمكن تحقيق ذلك بتعيين بعض الوعاظ والفقهاء الذين يجب أن يقنعوا الفلاحين بأنها (يقصد: الخدمة العسكرية) ليست كالسخرة... ونستطيع بالمقابل أن نذكرهم بأن الفرنسيين استطاعوا بسهولة (يقصد: حين كانوا في مصر) أن يجمعوا الأقباط للخدمة في جيشهم بسبب تلهفهم على خدمة عقيدتهم، فإذا كان هذا حال القبط، فلا شك في أن حال المسلمين سيكونون أفضل، فقلوبهم تمتلئ بالتقوى والحماس للدفاع عن الدين".
مع ذلك جمع عوام المصريين بالقوة والقهر من أجل التجنيد. ومن أجل تشديد القبضة التجنيدية تم تكوين جهاز رقابي عتيد مكون من مشايخ القرى والحارات، يتسلم أوامر التجنيد، ويجمع المطلوب تجنيدهم، ويبلغ عن الفارين منهم.
وهكذا يمكن تصور الفكرة الأولية، والنموذج الأولي، لجهاز أمن الدولة!
والملفت للنظر أن مقاومة المصريين للتجنيد لم تنته حتى اليوم! فلا زال الشباب المصري يلتمس كل ممكن يفلت به من العسكرية، رغم أن فترة تجنيدهم اليوم واضح المعالم، لا يحمل طابع السخرة الذي حمله التجنيد أيام "محمد علي"، وإن كان لم يتخلص نهائيا من طابع استعباد المجند لصالح الضباط، وربما لصالح ضباط الصف، ورسوخ مقولات شنيعة توجه للمجند، مثل: "اخلع كرامتك قبل ما تخش وحدتك"، والطرق العقابية المهينة لكرامة الإنسان، مثل التزحيف. هذا غير أن المجند لا يتلقى راتبا حقيقيا في زمن أعلن فيه الحاكم المصري أن لا شيء مجانيا!
استعرض الكتاب خطط وأفكار "محمد علي" بخصوص تكوين الجيش المصري، فقرر ـ بداية ـ استبعاد المصريين تماما، فتجنيدهم يخل بالزراعة، وفكر في الألبان، قبل أن يستبعدهم لما طبعوا عليه من المشاغبة والتمرد، هذا غير إدراكه لنظرتهم له باعتباره عسكريا ألبانيا مثلهم، وما قد يتبع هذه النظرة من تبعات تقلص طاعتهم له. وفكر في السودانيين؛ وبالفعل، نشط في جلبهم من السودان خطفا، إلا أنهم كانوا يموتون بسرعة، وبأعداد كبيرة! من 20 ألف مختطفا سودانيا تبقى فقط ثلاثة آلاف! وعليه قرر اللجوء إلى ما لم يكن يرغب في اللجوء إليه: تجنيد المصريين!
وقد أورد الكتاب من الوثائق ما يؤكد أن "محمد علي" لم ينظر يوما للشعب المصري باحترام أو تقدير، ما يقضي على زعم القائلين بأن هذا العسكري الألباني قام ببناء مصر الحديثة بمنطلقات وطنية. لقد أمر، يوما، بترجمة قانون من إحدى اللغات الأوروبية بتبصر، حتى يمكن تطبيقه في "مصر"، لأن القانون يناسب الأوروبيين، والأوروبيون (بنص كلام محمد علي): "شعب متنور متحضر، أما شعبنا فمثل بهائم البراري، فلن يكون هذا القانون بالبداهة مناسبا لهم".
واستمرت نظرته الدونية للشعب المصري حتى قبل وفاته بتسع سنوات، عندما قال لقنصل "بريطانيا" سنة 1840م: "حين أتيت إلى مصر كانت بربرية حقيقة، في غاية البربرية، وما زالت بربرية حتى يومنا هذا، ولكن مع ذلك آمل أن جهودي قد جعلت أحوالها أفضل بعض الشيء مما كانت. يجب ألا تصدم حين لا تعثر في هذه البلاد على الحضارة السائدة في أوروبا".
وفي خطاب يجيب فيه على طلب ابنه "إبراهيم"، القائد العسكري النابه، بفتح مدارس جديدة، وإدخال المزيد من السكان المصريين المحليين فيها، كتب قائلا إنه لا ينوي مطلقا أن ينشر التعليم بين العامة في "مصر"، وأن عليه القناعة بتعليم عدد محدود من الناس ليتولوا مناصب رئيسية في الإدارة، وينبذ فكرة التعليم العام، وبنص ما جاء في الكتاب: "وحتى بعد أن أنشأ هذه المدارس كان كثيرا ما يعبر عن استيائه لأنها ممتلئة في معظمها بطلاب مصريين يتحدثون العربية".
لقد كان "محمد على" باشا تركيا مخلصا للغته التركية حتى وهو يحكم بلدا عربيا يتكلم العربية، ما يعني أنه أبعد ما يكون عن استحضار "الوطنية المصرية" روحا لأعماله التي شيدها بـ"مصر".
وبالفعل، يتضح للناظر في تكوين جيش "محمد علي" خلوه من أي روح "وطنية" مصرية، فلا يوجد مصري واحد في المراتب العليا من هيئة الضباط، التي سُكِّنت بأصناف ثلاثة من أهل الحظوة، ليس فيها صنف المصريين، حيث شغل المنحدرون من صلب الباشا، ومن أصهاره، ومن عبيده المعتقين، المرتبة العليا الأولى، وشغل مماليك الباشا الخصوصيون المرتبة العليا الثانية، أما الطلبة المتعلمون في "أوروبا"، بالإضافة إلى ألبان وجركس وجورجيين وأتراك المرتبة العليا الثالثة. وكانت أعلى رتبة متاحة للضابط المصري رتبة يوزباشي (نقيب حاليا).
ولـ"محمد علي" وجهة نظره في هذا الترتيب المجحف لجيش هو بالأساس جيش المصريين، مبنية على أسس لا تنتمي من قريب أو بعيد إلى رغبته في إذكاء الوطنية المصرية بحسب مزاعم بعض المؤرخين والمحللين والكتاب، أفضى بها إلى زائر فرنسي مهم قائلا: "إنني لا أفعل في مصر سوى ما يفعله البريطانيون في الهند، فلديهم جيش مكون من الهنود يقوده ضباط بريطانيون، وأنا عندي جيش مكون من العرب يقوده ضباط أتراك.. فالتركي أصلح كضابط، لأنه يعرف أنه مؤهل للقيادة، بينما يشعر العربي بأن التركي أفضل منه في هذه الناحية".
وهكذا كان الموظفون الأتراك في "مصر" أيضا، راقصين على زمارة كبيرهم "محمد علي"، ينظرون إلى المجند المصري بدونية، فحين أُرسِل أحد الآلايات (الألوية) إلى "دمياط"، وأدى استعراضا عبر شوارع المدينة، لعن أحد الموظفين الأتراك اليوم الذي أصبح فيه "الفلاحون العمي!" عساكر، وأضاف أنهم لن يكونوا أبدا بكفاءة العساكر الأتراك.
وفي داخل الجيش قام أحد الضباط الأتراك، ويدعى "درويش" التركي، بإهانة جندي مصري، فاشتكاه، فنصبت محكمة للضابط التركي، الذي رفع عقيرته قائلا: "إذا كنتم تريدون أن تعاقبوني على إهانتي لفلاح يساوي خمسة عشر قرشا فافعلوا، فالفلاح عندي لا يساوي أكثر من ذلك".
مع ذلك فإن الجندي المصري (الفلاح)، مع ضباطه المصريين الأقل رتبا، أثبت أنه أفضل ـ بدرجة لا تقارن ـ من الجندي التركي تحت قياداته التركية الأغاوات، إذ لم يستطع العثمانيون ـ ولو في مواجهة يتيمة من مواجهات عديدة جرت على طول عقد كامل من الزمان ـ هزيمة المصريين، بل حصل أن كسر المصريون الجيش العثماني كسرة كبيرة في "قونية"، فتحت الطريق سهلا واسعا إلى "إسطنبول"، وإلى تقويض الخلافة العثمانية، وتحويل مركز الخلافة إلى "القاهرة"، لولا أن "محمد علي" عبد سيده التركي لم يفكر للحظة في الانفصال عنه، بل إن جميع حروبه التي خاضها بالمصريين، لم تستهدف سوى شيئين: خدمة ولي نعمه السلطان العثماني في سهول "اليونان" وصحراء "نجد"، والتوسع حدوديا ضغطا على السلطان، ليمكنه ويمكن أسرته من حكم "مصر" إلى الأبد، باستصدار فرمان عثماني يفيد بذلك، وقد حصل على مراده، بعد أن استجاب للضغوط البريطانية الأوروبية العثمانية المشتركة، وتخلى عن جميع ما استحوذ عليه من بلاد وعباد بفضل الدماء المصرية، المهدرة فقط ثمنا للعرش العلوي في "القاهرة".
وبمطالعة الكتاب يتبين لنا كيف أن الجيش، أي جيش لأي بلد، يكون سببا رئيسا في إحداث طفرة حضارية تلقائية. إذ لم يجد "محمد علي" بدا من تطوير الزراعة لتحصيل أكبر مال يمكنه الإنفاق منه على الجيش، ولم يجد بدا من الاهتمام بالصحة وتطعيم الأطفال ليتمكن من الحصول على مجندين أصحاء، وأنشأ المدارس ليتمكن من الحصول على جندي يمكنه قراءة الأوامر والتعليمات العسكرية، وأرسل البعثات إلى خارج مصر ليصب علمها في تكوين الجيش، حتى أنه وضع رفاعة رافع الطهطاوي في حماية عسكرية ليتمكن من إنشاء مدرسة الألسن حتى يترجم الكتب المفيدة عسكريا بشكل مباشر وغير مباشر.
بل إن بطاقات الهوية ما كان لها أن تظهر لولا نشأة الجيش، حيث كانت إحدى الوسائل الهامة التي ابتدعها نظام "محمد علي" لمنع التهرب من التجنيد.
ومن الطريف معرفة أن "الصعايدة" شكلوا النواة الأولى للجيش المصري في بداية نشأته، وأن معسكرات التدريب كانت في "الصعيد"، "أسوان" أقصاه و"منفلوط" التابعة لمحافظة "أسيوط" أوسطه؛ وأنه بعد سنتين من الآن ستحل ذكرى مرور 200 عام على سفر "محمد علي" باشا بصحبة قنصلي "فرنسا" و"بريطانيا" إلى قرية "بني عدي" في "أسيوط"، والبقاء فيها لأيام، من أجل حضور أول استعراض على الإطلاق للجيش المصري بعد إعداده وتكوينه وتدريبه. وقد أعجب القنصلان بأداء الجندي المصري في المناورة العسكرية التي جرت أمامهما، وكانت جادة، ترقى إلى مستوى حرب حقيقية.
والأطرف معرفة أصل كلمة "بلطجية"، التي تطلق الآن على المنحرفين المخربين الممارسين للقوة ظلما وعدوانا، فـ"البلطجة"، بحسب ما جاء في الكتاب، عمل من أعمال الأورط التابعة للجيش، يطلق عليها "أورطة البلطجية"، تقوم بأعمال الهندسة العسكرية (سلاح المهندسين حاليا)، وكانت مهمتها الأصلية حراسة أعمال السخرة في عملية تطهير ترعة "المحمودية".
وقد استمر الظلم فادحا داخل المؤسسة العسكرية المصرية طوال حكم الأسرة العلوية، تركية الأصل والهوى، حيث ظلت الرتب العليا مقصورة على الأتراك الأرناؤوط، وعلى الفرنسيين والإنجليز، بل وحتى على بعض الضباط الأمريكان، في حين ظل الضباط المصريون مقيدين إلى رتب دنيا لا يتعدونها، لا لشيء سوى أنهم عرب أولاد عرب، لا أتراك اولاد أتراك. (يمكننا ملاحظة انه لا ذكر للوطنية المصرية من قريب أو بعيد).
من التوابع الطبيعية لإنشاء جيش (نظامي) شروق الحس العالي بالوطنية بين ضباطه وجنوده المنتمين للبلد، وعليه، جرت الأحداث جريانها الطبيعي إلى ثورة الجيش المصري بقيادة أحد ضباطه من ذوي الرتب الصغيرة، "أحمد عرابي"، ثم إلى حركة "الضباط الأحرار"، التي قدر لها أن تغير وجه "مصر" وقلبها تغييرا حقيقيا، مستعيدة "مصر" وطنا حرا، بلا أسياد أتراك أو غير أتراك، بقيادة ضابط مصري برتبة صغيرة، البكباشي "جمال عبدالناصر"، الذي، وللمصادفة العجيبة، هو ابن إحدى قرى محافظة "أسيوط"، مجاورة للقرية التي جرت فيها أول مناورة لجيش مصري على الإطلاق، بحضور الباشا ورجاله الفرنسيس والإنجليز والأتراك.
وهذه نقلة "مصرية" تاريخية ـ لو تعلمون ـ عظيمة.
إرسال تعليق