رأيت، فيما يرى المسافر على الطَّريق الصَّحراوي الشَّرقي، منظرًا مذهلًا!كنت أقود سيَّارتي عائدًا من "سوهاج" إلى "القاهرة"، على الأريكة الخلفيَّة قفص صغير يحتوي على ثلاثة أزواج من الحمام البلدي، "أم كلثوم" تغنِّي "أمل حياتي"، صوت المحرِّك هادئ، فرد حمام لا يكف عن الهديل الصَّاخب داخل القفص! الطَّريق آمن، غير مزدحم، ما يعني أنَّ فرصًا جيِّدة مُتاحة لذهني كي يمارس متعة السَّرحان لدقائق متقطِّعة، وخاطفة.
قبل زيارتي لـ"سوهاج" كنت في "الأقصر" لشؤون عائليَّة وإبداعيَّة، شعرت هناك برغبة تدفعني إلى اللف والدَّوران على أماكن عايشت طفولتي، كأنِّي أسعى لوخز القلب بالذِّكريات حتَّى يقطر شجنًا؛ هل يستمتع الإنسان بمعاقرة الشَّجن؟! لكن، وإن كانت الذِّكريات مُرَّة فإنَّها المرارة التي تعالج الأفئدة حين تقسو؛ رأيت "الحضانة" القديمة في شارع "المحطَّة"، "الكي جي بتاعتي!"، ما زالت قائمة بنفس عمارتها البسيطة، لا أحمل لها ذكريات غير ولعي بحديقة ألعابها المحدودة، خصوصًا الدَّراجة ثلاثيَّة العجلات، تمنَّيت في طفولتي لو أمتلك واحدة مثلها، أمنية ذهبت سدًى مع العديد من أمنيات الطُّفولة، تلك المرحلة العمريَّة التي لا يمتلك الإنسان فيها نفسه، ولا إرادته، يكاد يكون مملوكًا لوالديه، ووالداه مملوكان للأحوال والظُّروف!
رأيت مدرستي الابتدائيَّة، "الرَّاهبات الفرنسيسكان" من الخارج، لم أحاول دخولها لأعرف إن كان حوض السَّمك باقيًا وسط فنائها أم أنَّ التَّطور أدَّى إلى إزالته، لكني أحسست بطيفي ينطلق إلى الدَّاخل، يستحي من طيف البنت "عزَّة"، يختبئ من طيف "ألفت"، يرمق طيف "أمل"، ينزوي تحت الشَّجرة الكبيرة في صمت عندما يباغته طيف "إيمان". طيف الميس "سعاد" في ملابس الرَّاهبات يدير المدرسة ببشرة سمراء وجمال فرعوني خارق. طيف "الأبله مارجريت" تعلِّمنا الحساب بوجه مكوَّر كمقدِّمة قاطرة ألمانيَّة عتيقة. طيف الشَّيخ "متولي" الذي تستدعيه إدارة المدرسة لشرح الدِّين الإسلامي، وما أن يأتي ميعاد حصَّة الدِّين حتَّى يتم التَّفرقة بين التَّلاميذ رفقاء الفصل الواحد، يبقى التَّلاميذ المسلمون، الأغلبية، في أماكنهم، بينما يُدفع بالتَّلاميذ المسيحيِّين، الأقلية، إلى خارج الفصل بمعرفة الإدارة المسيحيَّة للمدرسة!
"يا أحلى غنوة سمعها قلبي"؛ السَّيارة تنزلق على الطَّريق إذا انحدر، تتسلَّقه إذا صعد، أرى مصانع "جهينة" للأغذية قائمة على مساحات كبيرة في الصَّحراء، مساحات أخرى تشغلها شركة "كوكا كولا" للمشروبات الغازيَّة، ثمَّ تتحوَّل الصَّحراء الصَّفراء إلى آكام، وهضاب، وجبال أصابتها السُّيول والرِّياح إصابات بالغة كشفت عن طبقاتها الرُّسوبية المتكلِّسة! فرد الحمام لا يتوقف عن "البرجمة"، أحيانًا يضرب بجناحيه، أتململ خلف عجلة القيادة مانحًا الفرصة لجسدي كي يأخذ وضعيَّة جلوس أفضل، الاسترخاء النَّاتج عن الانتشاء؛ فقد كان اليوم الذي قضيته ببيت الشِّعر في "الأقصر"، مشاركًا في المؤتمر الذي نظَّمته إدارة البيت، رائعًا؛ موضوع هذه الفعالية الأدبيَّة هو: العلاقة بين "الشِّعر" و"السَّرد". استقبل الشَّاعر المصري "حسين القباحي"، مدير البيت، ضيوفه بترحاب وكرم شديدين، حرص على انضباط مواعيد المناقشات، قدَّم طعامًا لجميع المشاركين والحاضرين، الشَّاي والقهوة والسَّاقع مشروبات متاحة طوال الوقت، ما انعكس على أجواء المؤتمر ليخرج مؤتمرًا كبيرًا رغم أنَّه من نوعيَّة مؤتمرات "اليوم الواحد". بيت الشِّعر هذا بيت فخيم، مزوَّد بكل وسائل الرَّاحة والتَّرفيه، أقيم بأموال إماراتيَّة، كما يتم الإنفاق على أنشطته بأموال إماراتيَّة مخصصَّة له، في كل دولة عربية هناك بيت للشِّعر تقوم على خدمته ميزانيَّة إماراتيَّة، يحيلنا هذا إلى تأمُّل الواقع الثَّقافي العربي الذي كاد يصطبغ بالصبغة الإماراتيَّة، فأهم المجلَّات الثَّقافية تصدر في "الإمارات"، وأهم المسابقات الأدبيَّة تشرف عليها مؤسسَّات الثَّقافة الإماراتيَّة، وإن دلَّ هذا على شيء فهو الوعي الإماراتي الكبير بدور الثَّقافة في ترسيخ نهضات الدُّول، فأي نهضة اقتصاديَّة لا تواكبها مؤازرة ثقافيَّة هي نهضة بلا جذور.
بيت الشِّعر في "الأقصر" يطلّ على مشهد أثريٍّ
عظيم، "طريق الكباش"، الطَّريق الذي تمَّ الكشف عن معظمه منذ سنوات
قليلة، قبل25 يناير 2011، في سبيل
الكشف عنه تمَّ إزالة ثمانية مساجد كبيرة، أحدها مسجد "المقشقش"، وهو مسجد
أثري، في حين بقيت كنيستان تقطعان اكتمال هذا الطَّريق الفرعوني، تستعصيان على
الإزالة حتَّى الآن!
المشهد الذي رأيته على الطَّريق الصَّحراوي الشَّرقي، قبل قبل 22 كيلو مترًا من مدينة "المنيا"، مذهل؛ أقصد كارثي.
اختفت الجبال الصَّفراء لتظهر على مدى الرُّؤية جبال جيريَّة بيضاء، و"لوادر" ومعدَّات تقتطع منها لبنات برَّاقة البياض، شاحنات تنوء بحمل الآلاف منها، سحابات كبيرة من طيور الحمام الجبلي تناور في الفضاء، صوت السِّت فوَّاح بالشَّوق:" "يا حبيب امبارح وحبيب دلوقتي".في بيت "حنين"، مسيحي كان يبيع الخمور في أحد حوانيت شارع المحطَّة، عشت طفولتي الأولى، البيت كائن في شارع "الجنينة"، شارع مسيحي بالكامل، عندما غادرنا هذا البيت غادرناه إلى بيت أمّ "زكريَّا" شرق السِّكة الحديد، منطقة ذات أغلبيَّة مسيحيَّة؛ أذكر أنَّ أوَّل احتفالاتنا كأسرة مسلمة بـ"البلابيصة"، وأعياد "شمّ النَّسيم"، و"حدّ الخوص"، وجميعها أعياد فرعونيَّة ذات سمت مسيحي.
كانت في بيت "أم زكريَّا"، ثمَّ انتقلنا أخيرًا إلى بيتنا في منطقة "الخور"، لنجاور بيت "نعيم"، سائق أحد أوتوبيسات هيئة النَّقل التي تربط "الأقصر" بقرى "الحبيل"، مسيحي لا يعاني من عقدة الإحساس بدونيَّة الأقلِّية، يتمتَّع بشعبيَّة مهولة على طول خطّ "الحبيل"، ولخفَّة دمه وحميميَّته و"جدعنته" كان الرُّكاب الدَّائمون، على هذا الخط، يهادونه بخيرات القرى من جبن وزبد وبيض وتمر ودقيق وأعواد القصب، عندما ينتهي من ورديَّته يستريح في بيته قليلًا قبل أن يخرح إلى المقاهي ليجلس مع المسلمين، يسلقهم "تريقة" وسخرية نابعتين من قلب عِشري، يشغِّل الرَّاديو كل صباح على إذاعة القرآن الكريم بأعلى صوت، زوجته "أم وجيه" تتبادل الزِّيارات مع جيرانها المسلمين، وهدايا المناسبات، ولداهما "وجيه" و"ماجد" أوَّل سلسلة أصدقائي؛ رحل "نعيم" إلى الملكوت منذ سنين، بقيت "أم وجيه" تصل الود، قلت لها أكثر من مرَّة إنَّها أمِّي الثَّانية، تكلَّمت معها في هذه الزِّيارة بخصوص كيفيَّة أداء بعض الطُّقوس الكنسيَّة الواردة في روايتي قيد الكتابة، قالت لي ضاحكة: و"الجبنيوت" أنت عارف عن الكنيسة أكتر مني.المسلمون والمسيحيُّون في "مصر" كائن حي
تتداخل عظامه في لحمه، ينبني لحمه على عظامه، قلب واحد يضخّ الدَّم لكليهما، عقل
واحد يعمل لصالحيهما.
"يا حبيبي لبكرة ولآخر وقتي"؛ أسفلت الطَّريق الصَّحراوي الشَّرقي يسوء، شوَّهته شروخ عميقة، الواحد منها كفيل بالتَّسبُّب في حادثة قاتلة، "فنجلة" العيون مطلوبة جدًّا، كذلك الاتِّساق العصبي التَّام للتمكُّن من تفادي هذه الشُّروخ بسرعة ومهارة دون الانزلاق بعيدًا عن الحدود الآمنة للطَّريق! يضرب فرد الحمام بجناحيه، يزداد صخب هديله الغاضب، ترتفع درجة الحرارة مع ترك الشّمس للضُّحى واختراقها للظَّهيرة.
ما الذي يوحي به وجود عسكري الحراسة، التَّابع لوزارة الدَّاخلية، أمام بوَّابات الكنائس وحولها؟ غالبيَّة المسيحيِّين يضايقهم وجود هذا العسكري فلماذا الإصرار عليه؟ هل أفلح وجوده في إنقاذ أي كنيسة تم استهدافها حتَّى يستمر جالسًا على مقعده بلامبالاة، كلّ همّه إطلاق نظراته النَّهمة تتبَّع الجميلات الدَّاخلات للكنيسة، والخارجات منها؟! وجود عساكر الحراسة أمام أبواب الكنائس وحولها لا يعني سوى وجود خطر داهم يواجهه المسيحيُّون من المسلمين عمومًا! أمَّا عمليَّة إرهابيَّة كلّ بضع سنين تقع بسبب السِّياسات الخاطئة للنِّظام الحاكم، وربما بتدبير مخابراتي، كما كشف تفجير كنيسة القدِّيسَين بالإسكندريَّة، فلا تبرِّر وجود هذه الحراسة الدَّائمة لكل كنائس "مصر" بهذا الشَّكل السَّاذج لأكثر من عدَّة عقود متوالية!هل هناك رغبة في إبقاء "الإسفين"، الذي زرعته
أياد خبيثة خفية، مغروسًا في ظهر العلاقة بين مسيحيي "مصر" ومسلميها؟!
كل الحماقات التي قد ترتكبها الحكومة، بخصوص هذه العلاقة،
ربما تُحتمل، لكن أن يصل الأمر حدّ رسم هذا المشهد الفظيع، المريع، المخيف،
المرعب، المرهب، قبل 22 كيلو مترًا من مدينة "المنيا"،
فهذا ما لا يمكن قبوله، ولا استساغته، ولا تبريره.
المشهد: مدينة جديدة تُنشأ لشباب الخرِّيجين، أو للفلَّاحين، تصميمها بسيط، بيوت من طابق واحد تنتشر أفقيًّا، تعلوها قباب مُستلهمة من هندسة المعماري "حسن فتحي"؛ المدينة خُطِّطت في قسمين منفصلين..
ـ منفصلان!ـ نعم.
يفصل بينهما شارع واسع، قسمٌ "مسلم" يتوسَّطه
جامع كبير نسبيًّا، وقسمٌ "مسيحي" بُنيت وحداته السَّكنية بديكور يبرز
الصَّليب ضخمًا واضحًا على واجهاتها! تتوسَّط هذا القسم كنيسة كبيرة نسبيًّا!
مدينة جديدة ذات تقسيم تمييزي، يُرسخ بصلافة للتَّفريق
بين مسلمي "مصر" ومسيحيِّيها كأبشع ما يكون التَّفريق!
يضرب فرد الحمام بجناحيه، يهدل محتدًّا كأشدّ ما يكون
الاحتداد، عاصفة غبار رملي تتصاعد من النَّاحية الغربيَّة، منحنيات الطَّريق تقسو
كالتواءات أفعى في حالة افتراس.
"خليني جنبك خليني، وسيبني أحلم".
رغم كل الأمور الطَّارئة ظلَّت السَّيارة تقطع الطَّريق بثقة.

جميل ❤️
ردحذفشكرا جزيلا.
حذف