عندما ولدت "سهرة" هذا الولد زغردت. إذ أنَّه ما إن نزل منها، والنِّسوة اللاتي يُولدنها قلن لها إنَّه ذكر حتى ابتهجت، ولم تزغرد. لكن ما إن قطعوا حبله السُّري، وأعطوه لها، ونظرت إليه، لم تملك نفسها أن زغردت. لأن الولد كان جميلًا. لأن الولد كان أجمل ذكر وُلد في النَّجع، منذ وُلد النَّجع نفسه وحتَّى الآن.
والنِّسوة أنفسهن أكدَّن هذا،
فقالت واحدة:
ــ ما رأت عيناي مثله.
و قالت واحدة:
ــ جميل مثل الملائكة.
وقالت واحدة:
ــ يغار منه القمر!
أمَّا التي قطعت حبله السُّري
بالموسى المطهَّرة على لهب النَّار فقد جرحت الموسى سبَّابتها وهي تنظر في وجهه.
وقالت "نوَّارة" أخته،
وقد جلست بجوار أمِّها الفرحانة، تسرح بعينيها في التَّقاطيع البريئة الغاية في
الجمال:
ــ أخي أحلى ولد.
فقالت "سهرة"، وهي تلقمه
ثديها:
ــ و من شر حاسد إذا حسد.
ثم زغردت ثانية، وضمَّت الولد بوركيها إلى صدرها، ورفعت
ذراعيها إلى السَّماء، و قالت:
ــ الحمد لك يا
حنَّان يا منَّان يا وهَّاب.. يا من إذا أضمر الوهبة ما تعطِّله أسباب.
وزغردت الزَّغرودة الثَّالثة، ثم رفعت ذراعيها إلى
السَّماء، و قالت:
ـ يارب اجعل
يومه قبل يومي.
كانت تريد أن تقول:
ــ يارب اجعل
يومي قبل يومه.
أخطأت من شدة الفرح. و"نوَّارة" انتبهت لخطأ
أمِّها ففزعت، وقالت:
ــ يا أمي
تريدينه يموت قبلك؟!
فحضنت "سهرة" القمر بذراعيها ملتاعة، وقالت:
ــ يقطعني إذا
أردت هذا.
قالت "نوَّارة" لائمة:
ــ تصبرين عشر سنين.. ثم لمَّا يعطيك ما أعطاك تريدينه
يموت قبلك!؟
فبكت "سهرة"، وضربت بشمالها صدرها، وقالت:
ــ أنا قلت اجعل
يومي قبل يومه.
قالت "نوَّارة":
ــ قلتِ اجعل
يومه قبل يومي.
فصرخت "سهرة" كما تصرخ على ميِّت، وضمَّت
وليدها إلى صدرها بفخذيها، ورفعت ذراعيها، وهتفت:
ـ يارب اجعل دفنتي قبل دفنته.
فضحكت "نوَّارة"، وابتسمت "سهرة". والنسوة
خرجن الواحدة تلو الأخرى. وكانت الدُّنيا ليل، والحقول عتمة، لكن القمر، الذي طلع
للتو، كان منيرًا، وفي الجو نسمات رائقة .
***
في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة عند الرَّجل،
فأخذتها منه المرأة، فصارت الكلمة عند المرأة، قال "محبوب" أبي الولد:
ــ أسمِّيه "جلال".
قالت "سهرة":
ــ أسمِّيه "قمر السماء".
فقال "محبوب" مستنكرًا:
ــ اسم غريب وعجيب وطويل! كيف أناديه يا امرأة؟!
فقالت "سهرة":
ــ ما اسمك يا
رجل؟!
قال:
ــ تعرفين اسمي يا "سهرة"!
فقالت "سهرة":
ــ يا "نوَّارة" أي الأسماء أحلى.. "جلال
محبوب".. أم "قمر السماء محبوب"؟!
***
في الشَّرق شمس طالعة ساطعة، في الشَّرق نخيل سامقة، في
الشَّرق حقول وزروع مرحة، وفي الغرب مقابر في صحراء، وترعة مُرَّة تمص
"النَّزيز" المالح من طين الغيطان، وسباتة راعي الغنم الذي ترك الأحياء
وسكن عند الأموات، وقال "محبوب" للراعي:
ــ أريد كبشين أملحين أعمل بهما عقيقة للولد على سنِّة
الله ورسوله.
فقال الراعي بصوت فيه غرغرة ثغاء الخراف:
ــ الصَّلاة
والسَّلام على كامل الأنوار.. وماذا سمَّيت ولدك؟
وضع "محبوب" يده على ظهر كبش، يَعِس لحم ظهره،
وقال:
ــ "قمر
السَّماء".
الكلمة كانت في البدء، والكلمة كانت عند الرَّجل، كان
الرَّجل كلمة، هذا كان في البدء، لمَّا بدا رحم "سهرة "و كأنَّه نضب،
لكن ما إن طرح الرَّحم الثَّمرة، حتَّى أخذت المرأة الكلمة، فصارت السَّطوة لها،
وسمَّت ولدهما "قمر السَّماء محبوب" بدلًا من "جلال محبوب".
***
المزامير تعصف بقلوب الرِّجال، والطُّبول تقصف
مثل الرعود، والحناجر هادرة، ليلة السُّبوع قمرها مكتمل، ونجومها في آفاق السَّماء
وضَّاءة، والطبالي مرصوصة، عليها الصُّحون مصفوفة، ومملوءة بما لذ و طاب، و
النَّاس يقعدون، ويأكلون، ويقومون، ويجلسون على "الدِّكك" يدخِّنون
السَّجائر والجوزة، و"محبوب" فرحان، حتَّى أنَّه كان يلم العظم بنفسه من
على "الطَّبالي" ويرميه للكلاب التي وقفت خلف اللمة تتشمم رائحة
الطَّبيخ واللحم، و"سهرة" جالسة في سريرها، في حضنها وليدها، تخبِّئ
وجهه بغلالة من قماش شفّاف، حتَّى لا يضايقه الذُّباب، ولا تحسده الدَّاخلات
والخارجات، المهنِّئات بالوجوه وبالقلوب حاقدات، و"نوَّارة" تعطي
أطفالهن الفول السُّوداني، والحلوى الملوَّنة بالألوان الفاقعة.
وكانت "نوَّارة" حزينة!
فلمَّا انفضَّ السَّامر، وهدأت الأحوال، قالت "سهرة":
ـ شغِّلي يا
"نوَّارة" إذاعة القرآن الكريم تحضرنا الملائكة.
وقالت "نوَّارة":
ــ عملتم لي
ليلة مثل هذه في يوم سبوعي؟
سكتت "سهرة"، لكن القارئ في الراديو رتَّل
بالصَّوت الخلاَّب {ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَي}، فضربت "نوَّارة"
"الرَّاديو" بفردة من شبشبها وزعقت:
ــ الأنثى أحلى
.
***
رحم "سهرة" مثل عقد انفرط، ولدت بعد "قمر
السَّماء" ستَّة ذكور، ما رأت في وجه أحدهم جمالًا، فأحدهم أنفه كبير، وأفطس،
لكن "محبوب" فرح به وقال:
ــ ذَكَر.
وذهب إلى الراعي الذي ترك الأحياء وسكن عند الأموات،
واشترى منه كبشين أملحين، وعمل "عقيقة" مفرحة، وأطعم الكلاب.
وأحدهم عيناه ضيقتان، وفرح به "محبوب" وقال:
ــ ذَكَر.
وذهب إلى راعي الغنم الذي ترك الأحياء وسكن عند الأموات،
واشترى منه كبشين أملحين، وعمل "عقيقة" صاخبة، وأطعم الكلاب.
وأحدهم بدا مثل المساخيط، لكن "محبوب" قال:
ــ ذَكَر.
وذهب إلى الرَّاعي الذي ترك الأحياء وسكن عند الأموات،
واشترى منه كبشين أملحين، وعمل "عقيقة" بزمَّار واحد، وطبَّال واحد،
وأطعم الكلاب.
وأحدهم نزل بساقين طريَّين خاليين من العظام، فتحسسهما
"محبوب" وقال:
ــ ذَكَر.
وذهب إلى الرَّاعي الذي ترك الأحياء وعاش مع الأموات،
واشترى منه نعجتين، وعمل "عقيقة" بزمَّار واحد، ومن غير طبل، وكان
مهمومًا، فلم يطعم الكلاب.
وأحدهم نزل بعينين مطموستين، خاليتين من النُّور، فقال
"محبوب":
ــ ذَكَر.
وذهب إلى راعي الغنم الذي ترك الأحياء وعاش عند الأموات،
واشترى منه جِديين، وعمل "عقيقة" من غير "طبل" ولا
"زمر"، وإنَّما قُرئ فيها قرآن، ولما رأي التَّذمُّر في عيون الناس قال:
ــ
"الزمَّارة" حرام يا ولاد الكلب.
واغتاظ، وطار وراء الكلاب.
ولما نزل الأخير برأس مبطَّطة، خالية تمامًا من العقل،
رفعت "سهرة" ذراعيها، ووجهها، وقلبها، إلى السَّماء، وقالت كلمتين ليس
لهما ثالث:
ــ يارب كفى.
وكأن الله يسمع لدعاء "سهرة"، ويلبِّيه، فكفَّ
عنها، وكفَّ "محبوب" عن الذِّهاب إلى الرَّاعي الذي ترك الأحياء وسكن
عند الأموات، و"قمر السماء" بلغ سبع سنين، و"نوَّارة" عشرين.
***
"نوَّارة" أحبَّت "قمر السَّماء"،
ولم يكن هذا الحب هو حب الأخت لأخيها، وإنَّما كان حب الأنثى للذَّكر، في الخامسة
عشرة من عمرها أحسَّت بفورتها، و"قمر السماء" عمره سنتين، فتأخذه من
"سهرة"، التي انشغلت بوليدها الثَّاني، وتذهب به إلى سريرها، وقبل أن
تطفئ النَّور تتأمَّل فتنة جماله، وهو ينظر إليها ويضحك، تتحسَّس شعره السَّايح،
وهو ينظر إليها ويضحك، وتقبِّل خدَّيه وهو يضحك، وتمص شفتيه فيندهش ويضحك، ثم تطفئ
النُّور، وفي الظُّلمة تبقى تتحسَّس بيدها جسده النَّاعم، ولا يهدأ بالها، ولا
تخبو نارها، حتَّى تدفع يدها إلى الذي كمن بين فخذيه، فيلاعب يدها وتلاعبه، فتسمع
ضحكة "قمر السَّماء"، وتسمع "برجمة" حمام، ونباح كلاب، وعواء
ذئاب، ووشيش الرِّيح وهي تخترق سعف النَّخيل.
كان هذا منذ زمن، وصار يجري إلى هذا الزَّمن،
فـ"قمر السَّماء" بلغ سبع سنين، و"نوَّارة" عشرين .
***
"ضاحي" وَلد عم "نوَّارة"، ويحب
"نوَّارة" منذ أن رآها صارت شجرة سامقة، طارحة بالفواكه، وقال لأمِّه
أنَّه يريدها، وقالت لأمِّه أنَّها لا تريده، فاضمحل جسد "ضاحي"، وبقي
في الحياة جسدًا مركونًا، به قلب يتفحَّم بحب "نوَّارة".
و"نوَّارة" تحب أخيها، لا تحبُّه حب الأخت
للأخ، قلنا تحبُّه حب الأنثى للذَّكر.
وفي البدء كان الذَّكر، والذَّكر في البدء كان جلدة
طريَّة لا تتجاوب مع اللعب، لكنَّه مع طول المراودة بدأ يشتد، وبعد خمس سنين صار
يضرب في الهواء حاملًا ثمرة فراولة حمراء صغيرة، و"نوَّارة" تحلِّي
لياليها، تضع ثمرة الفراولة داخل فمها وتمصَّها، وثمرة الفراولة لا تعطيها عصيرًا
.
***
راعي الغنم ترك الأحياء منذ عشرين عامًا، وراح وعاش مع
الأموات، في هدوء، وسكينة، مضت أيَّامه وسنينه، حتَّى ظهر في إحدى الليالي، بين
شواهد القبور، شبح يصرخ:
ــ
"نوَّارة".
ثم صار الشبح، كل ليلة، يصرخ في القبور :
ــ
"نوَّارة" . "نوَّارة" . "نوَّارة".
ويبكي .
***
"سهرة" عاشت ترى أولادها فتحزن، الذي شكل
المساخيط ، والذي ساقاه عجينتان لا تحملانه، والذي لا يرى، والذي رأسه مسطَّحة
فصار عبيطًا، ثم "نوَّارة" التي لا تريد ما تريده كل البنات، رجل وبيت
وعيال، وقطارها يمضي، ومحطَّة العنوسة اقتربت جدَّا.
كل ليلة، في
السَّنة الأخيرة، تضرب "سهرة" صدرها، وتئن:
ــ البنت صار
عمرها خمسة وثلاثين.
وجلب الحزن لـ"سهرة" السُّكر، و السُّكر جلب
لها الضَّغط، فصارت جلدًا على عظام، وصار "محبوب"، إذا دخل البيت، ناحت
روحه:
ــ الرَّجل يدخل
بيته فيفرح وأنا أدخل بيتي فأحزن.
و"سهرة" تفرح، فقط، لمَّا ترى "قمر
السَّماء"، و"قمر السَّماء"
في عينيه حزن.
***
"نور البصر، وسمع الأذن، حبيبي".
"دقَّات قلبي، ودم شراييني، حبيبي".
"نَفَس صدري، وجريان روحي، حبيبي".
"وحبيبي أخي، "قمر السَّماء" قمر سمائي،
نور حياتي، لا أعرف كيف أتزوَّجه، لكن أعرف كيف لا أتزوَّج، وأعرف كيف أبقى
له".
وتبقى "نوَّارة" تحلِّي لياليها بوتد دافئ،
منتهاه حبَّة فراولة ضخمة، إذا أرادت الانطلاق إلى السَّماء مصَّتها، وإذا مالت
إلى الأرض سقت أرضها عصيرًا .
***
"قمر السَّماء" سافر ابوتيج، بندر من بنادر
محافظة أسيوط، راح يؤدي الخدمة العسكريَّة، فاهتزَّت دنيا "سهرة"،
وأظلمت "نوَّارة"، لكنَّها، في الليالي، كانت تصعد إلى سطوح البيت، فتري القمر كبيرًا وأحمر، واقفًا
بعيدًا، فوق بلاد أبوتيج، وتسمع صوتًا مبحوحًا،
تموِّجه نسمات الرِّيح، يصرخ:
ــ
"نوَّارة".. "نوَّارة".. "نوَّارة".
تسمعه و تبتسم، و تتشوَّق إلى ثمرة الفراولة.
***
شمس المدن قاسية، تصب اللهيب صبَّا، و"قمر
السَّماء" يتصبَّب عرقًا، يقف على باب مديريَّة الأمن، يلبس الميري الأسود،
ويقبض على بندقيَّة آلي، ويراقب السَّيارات، والنَّاس، والعمائر، عالم غريب لم يره
من قبل، عالم لذيذ، وألذ ما فيه البنات العابرات أمامه يتبخترن، فيتبختر قلبه،
وتنتفخ ثمرة الفراولة، و يتذكر أخته "نوَّارة"، ويحزن.
***
إذا مرَّت "رباب" أمام مبنى مديريَّة الأمن، رقَّت
شمس أبو تيج، وصارت حنون.
إذا مرَّت "رباب" يتزلزل قلب "قمر
السَّماء"، و في المرَّة التي رآها ترمقه بنظرة، بينما بسمة شفيفة تتماوج على
شفتيها، تاه عقله، وسهر الليالي يسمع من راديو التَّرانزستور أغاني أم كلثوم، وعبد
الحليم حافظ، ودموعه تسح.
في يوم، مرَّت "رباب" أمام مبنى المديريَّة،
تحمل بين يديها خبزًا، وكان "قمر السماء" يحمل بين يديه السلاح، فرقَّت
شمس أبو تيج، وصارت حنون، وتزلزل قلب "قمر السَّماء"، فسقط رغيف خبز من يد "رباب"، وسقطت
البندقيَّة الآلي من يد "قمر السَّماء"، وجرى، وأخذ رغيف الخبز من
الأرض، وقال:
ــ يا بنت
النَّاس.. أين بيت أبيك؟
أعطته العنوان، فقال لها:
ــ خذي رغيفك.
قالت:
ــ رغيفي لا
يأكله غيرك.
فدارت أرض أبو تيج، حتَّى أن مبنى المديريَّة كاد يسقط،
لكن "قمر السَّماء" جرى إلى بندقيته، وإلي الرَّاديو التَّرانزستور .
***
عاد " قمر السَّماء " في إجازة من الخدمة
العسكريَّة، طرق البوَّابة ففتحتها "نوَّارة"، ولمَّا رأته أمامها ارتمت
عليه تحتضنه، فهالها أنَّه دفعها عنه برفق، ودخل، وسمع صوت أمِّه، مبتهجًا، يأتيه
من داخل حجرتها:
ــ تعال يا نور عيني.. تعال يا "قمر
السَّماء".
فدخل حجرتها و ارتمى على صدرها، و بكت، وضحكت، ثم بكت،
وحمامة ترفرف في فضاء الغرفة، و"نوَّارة" تقف على بابها، تنظر، و تملأ
عينيها بجسد أخيها، المهيب في بدلته الميري، وتسمع "قمر السماء" يقول لـ
"سهرة":
ــ تريدين الفرح
يا أمي؟
وتسمع "سهرة" تقول:
ــ أريد الفرح يا ولدي.
فيقول "قمر السماء" سكِّينًا يُرشق نصلها في
قلب "نوَّارة":
ــ لقيت عروسة في أبو تيج.. حلوة يا أمي و لا قمر
السَّماء.
فصرخت "نوَّارة"، وذهبت تبكي، و"
سهرة" زعقت:
ــ يا بنت
الكلب.. تغيرين الآن.
وقالت لـ"قمر السماء":
ــ بنت ناس؟
ــ بنت ناس.
ــ أقول
لـ"محبوب".
وكان صوت "سهرة" واهنًا، وجسدها واهنًا جدَّا.
***
الليل كان أولًا، قبل أن يشق ظلمته النُّور، والليل وقت
الحياة العجيبة، دخلت "نوَّارة" الحجرة التي تنام فيها مع أخيها
"قمر السَّماء" طوال الزَّمن الفائت، وقلعت هدومها، وتمدَّدت عريانة تحت
ملآءة خفيفة، تنتظر، على نار متأجِّجة، ثمرة الفراولة المنتفخة، وتتحسَّس، بأطراف
أصابعها، نصل سكِّين حاد، خبَّأتها تحت الوسادة، وهمست فتسرَّبت الدُّموع المالحة
إلى لسانها. "لا تدق بنت أبوتيج وتد أخي في أرضها أبدًا".
لكن "قمر السَّماء" لم يدخل الغرفة.
***
أم كلثوم تغنِّي على سطح بيت "محبوب"،
و"قمر السَّماء" تمدَّد على جنبه، واتَّكأ على ذراعه، يدخِّن سيجارة
ويسرح، "رباب" تمشَّت معه على كورنيش أبو تيج وقالت له من الكلام ما
سطله، كلام يشبه كلام أم كلثوم.
شجر النَّخيل في الليل له هامات الحكماء، ونسيم الليل
قلب "رباب"، و"نوَّارة" جلست بجوار أخيها، ومدَّت يدها إلى
حيث تختبئ ثمرة الفراولة، لكن "قمر السَّماء" أزاح يدها واعتدل،
و"نوَّارة" همست:
ــ تريد الزواج
يا "قمر"؟! أنا لم أتزوج يا
"قمر".
رأى "قمر السَّماء" نجمة تومض في دموع
"نوَّارة"، ورأى "نوارة" تقف، وتمضي نحو هامة من هامات
الحكماء، وسمعها تقول:
ــ ثمرة
الفراولة التي مصَّها فمي لا يمصَّها فمُ غيري.
و سمع صوتًا، ينوح، يأتي من عند الرَّاعي الذي ترك
الأحياء وعاش عند الأموات:
ــ
"نوَّارة". "نوَّارة". "نوَّارة".
وسمعته "نوارة" فابتسمت، وومضت نجمة في دموعها.
***
يا للَّشمس! حارَّة، إنَّها تتأجَّج،
و"نوَّارة" في حديقة الفواكه الملاصقة للبيت، تقف تحت شجرة الجوَّافة،
تشير إلى هذا اللاهث في الحقول يلهبه وهج
الظَّهيرة، لم يصدِّق "ضاحي" عينيه، تيبَّس في مكانه وكأنَّه يرى
شبحًا، وركض، مثل فرس، لمَّا رأي "نوَّارة"، فعلًا، هي التي تشير إليه،
قالت له بالهمس المشبوب:
ــ مجنون يا
ضاحي؟!
بكى "ضاحي"، وقعد تحت ساقيها، وقال:
ــ مجنون يا
"نوَّارة".
ــ تريد تعقل؟
ــ أريد
أتزوَّجك.
ــ مهري يا
"ضاحي" تروح أبوتيج تقتل "قمر السَّماء".
"ضاحي" هج في الحقول المتَّقدة فرحانًا،
وصوته، في عز الحر، قرقع:
ــ
"نوَّارة". "نوَّارة".. "نوَّارة ".
بينما الشَّمس تومض في دموع "نوَّارة" .
***
يا ليل أبوتيج، يا أبوتيج في الليل، جوهرة متلألئة،
و"رباب" واقفة على الكورنيش يعاكس النَّسيم خصلات قُصَّة الشَّعر
المنساب على جبهة مرمريَّة، وقمر السَّماء واقف، أمام المزلقان، ينتظر على بص
النَّار مرور القطار، يريد الطَّيران إلى الكورنيش، وكان قد اشتاق لرؤية قُصَّة
شعر "رباب"، واشتاق لعيون "رباب"، واشتاق لكلام
"رباب" الذي يشبه أغاني أم كلثوم.
"ما له القطار لا يجيء؟!".
انحني "قمر السَّماء"، واجتاز الذِّراع
الحديديَّة الحائلة ما بين سكَّة القطار وعبور النَّاس، القطار قادمًا يهدر،
قريبًا جدَّا، لكنه في عيني "قمر السَّماء" بدا بعيدًا جدَّا، فاستمر
يعبر.
شعر "قمر السَّماء" بالزَّلزلة، وسمع أصواتًا
تزعق، وهدير صاعق، وصوت "ضاحي" يصرخ:
ــ
"نوارة".
قبل أن يشعر بدفعة، مهولة، تضعه أمام جبل الحديد القادم
يدردف، ثم طنين صفير خارق، و"رباب" عروسة قماش تتقلَّب، على رصيف
الكورنيش، أثر عاصفة، فتسقط في النِّيل.
عندما انتهي عبور القطار كان جسد "قمر
السَّماء" قد تمزَّق، ورأسه تدحرج بعيدًا، وأنوار المحلات، المحيطة بالمزلقان،
تومض في عينيه المندهشتين.
***
يا نهار نجعنا، يا نجعنا الحزين، الخبر جاء والشَّمس
تُشرق، الخبر جاء و"محبوب" خارج من بوابة البيت، ذاهب إلي زرع أيَّامه،
هزيلًا من أحزان سنينه، فضربه الحزن الكبير، سقط تحت جذر البوَّابة وهو يشهق، ورأى
نخلة تميل، ورأى طيرًا أبيض يحترق في عين الشَّمس، وسمع "نوَّارة" تنبح
مثل كلب يموت، ورآها تتخبط في الحوائط مثل ديك مذبوح، وآخر ما سمع، قبل أن يغمى
عليه، صوت "سهرة" الممدَّدة في السَّرير تأكل الأمراض جسدها:
ــ " قمر السما"!! يا قليبي..
يا قليبي.. يا قليبي.
ما له صوت "سهرة" يخرج ممدودًا مترنِّما؟!
تنوح، هذه، أم تغني؟!
***
الرَّاعي يمضي بغنمه بين القبور، فجاز على رجلين يحفران
قبرًا، والشمس جازت عليهما من قبل لتقف على جبل المغارب، وأثار قطيعه ترابًا امتزج
مع الغبار الصَّاعد من الرَّمل الذي تقذفه المساحي من قلب القبر إلى ظهر الأرض.
نظر الرَّاعي إليهما ومضى، ونظرا إليه وانهمكا في الحفر،
لكنَّهما سمعاه يسأل، من بعيد:
ــ قبر من تحفران؟
ـــ قبر "قمر السَّماء محبوب".
فسمعاه يضحك ضحكة رجل سكران، وسمعاه يقول:
ــ تحفران
القبور.. وتدفنا الموتى.. وليس لديكما حكمة؟! هذا قبر "سهرة".
***
ضمَّت فخذيها إلى صدرها، ورفعت ذراعين عجفاوتين ترتعشان،
وقالت لله كلمة، وكان الله يسمع لـ "سهرة"، فراح وركاها يرتاحان إلى
تحت، وذراعاها ينسدلان إلى جنبيها، ورأسها يميل إلى كتفها، وماء برَّاق يسيل من
ركن شفتيها.
حمامة دخلت الحجرة، وأخذت تطير في فضائها، تطير ، تطير
من غير تعب.
***
كنَّا نحمل
المحفَّة التي عليها جسد "سهرة"، وكنَّا نحمل مشاعل النَّار نُضيء بها
الطَّريق.
كنَّا نحمل،
أيضًا، "محبوب"، الذي لم يكن قادرًا على المشي، وعند المنحنى الذي
سيؤدِّي بنا إلى "الجبَّانة" توقَّفت، فجأة، المحفَّة عن السَّير، وظهرت
من غرب النَّجع سيارة إسعاف.
السَّيارة التي تحمل لحم "قمر السَّماء".
عندما اقتربت منَّا جدَّا توقَّفت، ودارت محفَّة
"سهرة" حول السَّيارة، سمعنا عويلها، قلوبنا توقَّفت، عيوننا عملت بحر
دموع.
وكما توقف نعش "سهرة" فجأة، كما طاف حول
الإسعاف فجأة، تحرك فجاة، وبسرعة اتَّجه نحو القبور.
***
قبر واحد، و"سهرة"، و"قمر
السَّماء"، على محفَّتين ينتظران الدَّفن.
"سهرة" تنظر إلى وليدها، تعود بذاكرتها إلى
بعيد، تسمع زغرودتها، وتذكر دعوتها لرب السَّماء: "إجعل يومه قبل يومي".
"قمر السماء" ينظر إلى أمِّه، ويبتسم، ويسمعها
تقول: "لكن أنا قلت اجعل دفنتي قبل دفنته".
الأكفُّ ترفع جثمان "سهرة"، وتهوي به إلى الظَّلام،
لحم "قمر السماء" في ضوء المشاعل يرتعش.
القمر يتصاعد من خلف هامات النَّخيل ، والحفَّاران شرعا
في حفر قبر آخر.

إرسال تعليق