U3F1ZWV6ZTM4MjQwMDIxNTE0NTAyX0ZyZWUyNDEyNTExMjIxODk0Ng==

نبي البيت الكبير


 

نبي البيت الكبير

 

الديك الجلف، الذي يزعج جدتي، جسمه بدين، وصوته متين، ودائما، عندما يأتى اليل، يقف على فرع سقيفة البوص، التي تحجب وهج نار الشمس، في وقت الظهيرة، عن غرفة فرن الخبيز، وفي جواره تقف الدجاجات وقد تدلت رقابها، وأغلقت عيونها، فلما يبصر الديك الفجر، الطيب، قادما، يمط رقبته، وينفخ حوصلته، ثم يصيح صيحة يفزع لها كل خلق الله، فى نجع "الخمايسة"، فترفع الدجاجات رقابها بسرعة، وهي تقرقر قرقرة الانتباه، ويرفع الكلب، الباسط ذراعيه  على باب حوش المواشي، رأسه من بينهما، وينظر إلى الديك نظرة شر، ويعوي عواء خافتا.

عندما تسمع جدتي الصيحة تتقلب، تحت اللحاف الثقيل، وقد قطبت جبينها، فهي تعرف أنه، بعد  سماع صيحة الفزع، سوف يصك طبلتي أذنيها، بعد قليل، نداء القلق الذي يرسله جدي زاعقا من خلف باب حجرته .

***

جدي عاش في الأرض مائة عام، قرن أوهن العظم منه، والدنيا الفتية، التي لا تهرم، لاعبته حتى هدت بنيابه، فصار لايقدر على المشي، ولا حتى على الوقوف، يقف فقط في حضرة الله لما يصلي، ويكون مرتعشا، يميل ذات اليمين، ويميل ذات الشمال، يكاد يقع، ولا يعرف أن الوقت نهار إلا إذا رأى النور الرباني يتدفق من الطاقة الضيقة، المفتوحة قرب سقف حجرته، وليله طويل.

قال لي إن ليله بدأ منذ عشر سنوات، أو أكثر،  عندما شعر برأسه يدوخ، وأن رجلا عفيا يضربه في جنبيه بحجارة ضخمة. وقال إنه صار رميما، ومكانه الجبل. 

ثم قال: السفر قرَّب يا" سعد".

وقتها لم أكن أعرف معنى السفر الذي كان يقصده، ولا معنى الجبل، فقد كان عمري خمس سنين، لكني تضايقت لما ناداني: يا  "سعد".

فأنا اسمي ليس سعدا.

وقلت له قبل ذلك ثلاثين مرة إن اسمي ليس سعدا.

نهنه جدي، وتململ في جلسته تحت أغطيته، ثم مد يده العجفاء، المرتعشة، وربت بها على كتفي، وقال: وشك يا ولدي وش سعد.. يوم ما اتولدت اشتريت فدانين طين.

ودس يده في سيالة جلبابه، وأخرجها بوهن، فرأيتها ملآنة بالحلوى الحمراء، والصفراء.

***

جدتي تسمع النداء، بعد صيحة الديك، فى الفجر، فتسحب عظامها من تحت اللحاف بجهد، لتلف طرحتها السوداء على رأسها وشعرها الأبيض، تفتح باب حجرتها لتخرج فيضربها برد الليل، تدفن يديها تحت إبطيها، وتضم ذراعيها بشدة إلى صدرها، بينما كتفاها يعلوان ليخبئا رأسها، لكن البرد شديد، فتنساب من عينيها دموع تتوه في تجاعيد وجهها الغويطة. نداء جدي يأتيها مرة أخرى فتتجه إلى غرفته بسرعة، تخبط بابها بيدها وهي تصرخ: اسكت.. خلاص صحيت.

تذهب إلى "المزيرة"، تحت السلم، في الناحية القبلية من البيت، تملأ" الكوز" الصفيح من أحد الأزيار، وتتجه به نحو" طرمبة المية"، وسط البيت، أسفل شجرة" التين"، فتصبه فيها، تقبض على يدها المعدنية، الباردة، ترفعها وتنزلها بسرعة، حتى لما يتدفق الماء منها تضع تحتها الحلة النحاس.

العصافير، التي تسكن شجرة" التين "تصحو على صلصلة" الطرمبة" فتبدأ في الحركة، تترك أعشاشها، وتطير من فرع إلى فرع، وهي تشقشق شقشقات تباشير الصباح، وبينما جدتى تميل مع يد "الطرمبة"، صاعدة هابطة، تبزق عليها، هذه العصافير، فتهمس لنفسها بأن بزاق العصافير خير، وأنها قد ترزق بكساء جميل.

وبعد أن تملأ الحلة النحاس تذهب بها إلى غرفة الفرن، فيها" الكانون" الكبير  أيضا، تضع الحلة فوقه ،ثم تضع بين جدرانه البوص، والحطب، وتشعل فيها النيران.

وعندما يشعر الديك، والدجاجات، بلهب النار يلسع مؤخراتهم يتركون سقيفة البوص، ويبدأون القفز إلى الأرض.

***

بيتنا بيت كبير، وهمومه كبيرة.

ففى البيت خلق كثير. جدي، وجدتي، وأعمامي الخمسة، وزوجاتهم، وعيالهم.

وعندما نسافر إليهم، في الزيارة الصيفية، السنوية، يزدحم البيت، أكثر، بأبي، وأمي، وأنا. أمي، المرحة، تزيح الهموم من البيت، وتشيع فيه البهجة، لكن أبي كأعمامي دائما متجهم الوجه، ولا يحب الضحك، لذلك ما أن يدخل هو، أو أحد أعمامي، حتى يعم الصمت، وتغشي الرهبة الوجوه التى كانت، منذ قليل، تضحك.

جدي يحب أبي كثيرا لأنه لا يزعق في وجهه، ولأنه لا يطالبه بقسمة الأرض وهو لم يزل حيا. ويحب أمي أكثر لأنها تضحك في وجهه دوما، وتسمع، دون ضجر،  كلامه الكثير.

وفي المغارب يعود أعمامي من غيطان جدي البرحة، ثم لما يأتي الليل البارد يتجمع الكل فى غرفة الفرن، يتناولون العشاء في دفء النار التي تتأجج في "المنقد" الفخارى، بينما جدي وحيدا في غرفته، مكوما تحت أغطيته الكثيرة، أما نحن، العيال، فلا يهمنا البرد، لذلك نتجمع تحت التينة، ونجلس على الدكة القديمة، وعلى ضوء النار القادم إلينا من غرفة الفرن، وضوء القمر المسكوب من أعالي السماء، نلعب.

***

الوقت لم يزل فجرا، والقطار يطير كالريح، والحقول الخضراء تبدو، من خلف النافذة، قاتمة، تتسلل إلى الخلف وقد حملت على ظهرها بيوتا، وقرى، فيها مصابيح أضواؤها باهتة، وناحية الغرب، عند الأفق، يستعد قمر شاحب للهبوط، يبين ويختفي خلف أشباح الأشجار، والنخيل، التي تتدافع إلى الوراء.

ما من مرة، ركبت فيها القطار، إلا وتذكرت هذا القطار، الصغير، الذي يقف تحت شجرة "التين"، في "فسحاية" البيت الكبير..... "محمد"، ابن عمي "حسين"، ضرب الهواء بقرف، وزعق: كل يوم "استغماية"! عايزين نلعب لعبة جديدة.

كنا قد تعشينا، وامتلأت غرفة الفرن بأعمامي، وزوجاتهم، وبدأت جلسة السمر، التي أغلب الحديث فيها لطقطقة الحطب في "المنقد" المشتعل، ولكركرة المياه المتقلبة في بطن "الجوزة" المنفوخ.

"أحمد"، ابن عمي "عبد اللاه"، نظر إلي، وقال: اخترعلنا لعبة يا بندري يا ناصح.

عقلي دار دورات عنيفة، لا بد فعلا من ابتكار لعبة جديدة، فقد زهقنا من "الاستغماية"، ومن "العسكر والحرامية"، ومن "التُقُلَّة" التي نلعبها بخمس زلطات.

ولما وقع نظري على الدكة القديمة، التي تحت التينة، اكتشفت اللعبة الجديدة، فزعقت: إيه رأيكم نعمل الدكة دي قطر؟!

رد "يوسف"، ابن عمي "عبد اللاه": وبعدين؟

قلت: ولا قبلين.. كل واحد ينزل في البلد اللي تعجبه.

وفوق "الدكة" ركبت، وفي أولها جلست، وقبضت على مسندها، ذي الخشبتين المكورتين، وبحركة خاطفة، من كف يدي، ضربت قعر الطشت النحاسي، المسنود إلى جذع شجرة "التين"، فصدر عنه الرنين، العالي، المديد، وارتفع صوتي: جرس المحطة ضرب.. القطر هايمشي.. اللي عايز يركب يلحق يركب.

اندفع الركاب، دقائق وازدحم القطار، بعدها انطلق من فمي صفير طويل، ثم هدير صاخب، وبدأ القطار يتحرك.

النجوم في السماء تبرق، والدخان الكثيف، بينها، يشع ضوءا أبيض، وتحت التينة قطع القطار المسافات الشاسعة، بلاد رماها على بلاد، وضجيج القاطرة يصم الآذان، سألني "أحمد حسين": القطر مابيوقفشي ع المحطات ليه؟!

قلت، وانا منتبه تماما للسكة الممتدة أمامي: القطر السريع مش بيقف على محطات صغيرة.

"حنان" قالت: أنا عايزة أسافر لـ"مصر".

قلت: يووووه يا "حنان"! فينك وفين "مصر"! دي لسه بعيدة قوي.

وفجأة، علت صرخة البنت "آمال"، وكانت تضرب وجهها بكفيها عندما قالت: وقف القطر يا ريس.. "أحمد عبد اللاه" وقع من فوق الدكة..

جذبت ذراع الفرامل بسرعة فارتج القطار، صرت عجلاته، وطق منها شرر النار وهي تحك بشدة القضبان الحديدية، ومع ذلك لم يتوقف دوران العجلات قبل أن تدهس "أحمد عبد اللاه"، وتمزق جسده.

نزلنا من فوق الدكة لننظر إلى الجثة المبعثرة، وثمة خوف يضرب قلوبنا، و"أحمد عبد اللاه" لم يرحمنا، فلقد وقف القتيل على قدميه، ومد يديه أمامه، وشنج أصابعه، وبحلق عينيه، قبل أن يخرج من جوفه صوتا عميقا: عااااووووووو.. أنا عفريت "أحمد عبد اللاه".

نار "المنقد"، في غرفة الفرن، لهبها يرسل ضوءا مهزوزا، يلقي على جدران البيت ظل العفريت ضخما، متراقصا، وهو يجري خلفنا. كان الفزع مرعبا، فتخبطنا بالجدران، وحوض "الطرمبة"، وجذع التينة، ودست على ذيل الكلب، الرابض على باب حوش المواشي، فنبح نباح الغضب، وبكى العيال، وجروا ناحية غرفة الفرن، وبكيت، وجريت إلى غرفة جدي، فتحت بابها بسرعة وألقيت نفسي على كومة الأغطية، التي على الدكة، وصرخت: الحقني يا جدي.

من تحت الأغطية تسلل صوته مكتوما: يا ولدي حرام عليك.. كسرت عضمياتي.

صرخت: العفريت عايز ياكلني.

سحبت الأغطية الثقيلة عن رأس جدي، ضوء اللمبة "العويل" ضعيف، وباهت جدا، فبدا وجهه دون ملامح، مخيفا، وعندما فتح فمه ليتكلم رأيته واسعا، يكاد يبتلعني.

وقف شعر رأسي.

قفزت إلى خارج الغرفة وقد داهمني شعور بأن هذه الليلة تحولت فيها كل الناس إلى عفاريت.

***

في يوم، قرر أبي العودة بنا إلى المدينة.

وهذا اليوم، يوم العودة، يكون كئيبا، وأكرهه كرهي للعمى.

فليس في المدينة سوى الحبس، دوما، في شقتنا الأسمنتية، ولا فرصة هناك للخروج منها غير شراء حاجة من البقال القريب، فقد أصدر أبي فرمانا قديما "لا نزول للشارع المملوء بالعربات المتوحشة، والمزدحم بالعيال قليلي الأدب".

أما هنا، في "الخمايسة"، فالحقول البراح، الخضراء، والنخل العالي، الذي نقذف أعاليه بالطوب فيساقط منه البلح الأحمر، والأصفر. هنا الترعة "المرة"، الواسعة، نخلع على ضفتها هدومنا، ثم نلقي أجسادنا في مياهها الخضراء. هنا المصارف، الضيقة، التي عندما ينحسر عنها الماء نشيد في قعرها سدود الطين، وفي المياه الضحلة، العكرة، نصطاد "البلطي"، و"القرموط"، و"اللبسة" التي ترهج بالألوان الرائعة. وماكينة الري التي لها طراد ضخم، تندفع منه المياه قوية، وهادرة، تضربنا عندما نرمي أجسادنا الصغيرة في مواجهتها، وتدفع بنا بعيدا بعيدا.

في هذا الفجر أتذكر انني صحوت ظهرا، فلم أسمع صيحة الديك، في الفجر، ولا شقشقات العصافير في تباشير الصباح. وأتذكر أنني كنت متضايقا.

في "فسحاية" البيت دماء غزيرة، مراقة، أسفل التينة، والكلب يلعقها بشراهة.

وفي غرفة الفرن كانت أمي، مع زوجات أعمامي، يضحكن، ذهبت ناحيتهن، وتوقفت في فتحة الباب، أدعك عيني بظهر يدي اليمنى، قلت: صباح الخير.

على "الكانون" قدر فخاري كبير يغلي فيه ماء تسبح بين فقاقيعه طيور مذبوحة، قبل أن ترفع، يتصاعد منها البخار النتن، كي يزال عنها الريش.

وبينما زوجة عمي "عبد اللاه" تنتف ريش إحداها ابتسمت، وقالت: خير صباحين.. ناموسيتك كحلي يا عريس.

جدتي تجلس على المصطبة، التي في الركن البحري من "الفسحاية"، تسرح شعرها الأبيض، المخضب بعضه بالحناء، بفلاية خشبية، وقد فردت على حجرها قماشة بيضاء.

في كل مرة تسرح شعرها، وبعد الانتهاء، لا بد من أن تدقق النظر في هذه القماشة، بحثا عن القمل الذي قد يتساقط من شعرها أثناء تسريحه، إذ أن القملة عدو جدتي اللدود، ما أن تظهر على قماشتها البيضاء حتى تنفذ فيها حكم إعدام رهيب، تضعها بين ظفري إبهاميها، ثم تدهسها، فيصدر عنها صوت فرقعة عندما تسمعه، جدتي، ترتاح.

مشيت باتجاهها، ولم أزل أدعك عيني بظهر يدي، وقلت لها: يا جدة.. لسه بابا مصمم نسافر النهاردة؟

قالت: بيقول المدارس قربت تفتح.

كان الكلب قد لعق كل الدماء، ولم يبق منها سوى أثر ترابي لونه أحمر، قبل أن يتجه إلى باب غرفة الفرن ويقف مرقصا ذيله، مستجديا بنباح خافت يشبه الأنين.

قالت أمي: واحدة منكم ترميله المصارين.

وواحدة منهن رمت له "المصارين"، وهي تزعق فيه: غور.. جاك المرار.

ومثل مسعور، تلقف "المصارين" بين انيابه، وطار بها إلى حوش المواشي.

سألت جدتي: هو انتو يا جدة دبحتو الديك اللي بيأذن في الفجر؟

ضحكت جدتي، وقالت: أيوه دبحناه وارتحنا منه.

جدتي تكره هذا الديك، الذي يقلق نومها في ساعة يحلو فيها النوم، ولا شك هي الآن فرحة لأنها ذبحته، لكني أحب هذا الديك، وجدي يحبه، وقال لي، ذات مرة، إن الديك يحبه الله، لأنه يوقظ الناس في الفجر لتصلي له، وإن الملائكة تحبه أيضا، فتأتي له بالليل، وتتسامر معه، وإن جد هذا الديك يقف في السماء، تحت العرش، عندما يصيح تسمعه كل ديوك الأرض فتصيح. وها هي جدتي، حتى ترتاح، ذبحت الديك.

بكيت، وجريت إلى غرفة جدي، ورميت نفسي على كومة الأغطية: إلحق يا جدي.

فرفط تحت أغطيته، وزعق: يا ولدي حرام عليك.. كسرت عضمياتي.. باين عليك مش هاترتاح إلا اما تجيب أجلي.

لكن بكائي الشديد دفعه إلى محاولة التحول من وضع التمدد إلى وضع الجلوس، وعملها بصعوبة بالغة، ونهنه وهو يسألني: فيه ايه يا "سعد"؟

زاد بكائي، وصرخت: تاني يا جدي بتقول "سعد"؟

نهنه: خلاص.. خلاص.. حقك علي.. بس قوللي بتبكي ليه؟

ـ جدتي دبحت الديك اللي بيأذن في الفجر.

حتى هذا الوقت اتذكر ما حدث تماما.. كنت أبكي، منتظرا جدي يزعق، ويولول، مثلما يفعل كالمعتاد إذا ضايقه شيء، لكن لم أسمع شيئا، فنظرت إليه.

كان مبهوتا، ودموع تسبح في عينيه، تتأهب للانسكاب في شقوق التجاعيد الغويطة!

أعرف أن الديك عزيز على جدي، لكني لم أكن أعرف إنه عزيز لهذه الدرجة.

همس جدي: الحُرمة كفرت.. دبحت النبي بتاع البيت!

زاح أغطيته عن جسده الهش، وأنزل ساقيه إلى الأرض، ووقف، لم يرتعش، لم يمل ذات اليمين، ولا ذات الشمال، وبعزم الشباب مشي حتى الخزانة المتربة، فتح إحدى ضلفها، وأخرج منها عصاه الغليظة.

ذهول أصاب جدتي عندما رأت جدي يخرج من باب الغرفة، لم يكن قد خرج منها لسنين، ولم تفق من ذهولها إلا عندما هوت عصاه إلى جنبها، علت صرختها، والنسوان جرين ناحية جدي، وكان يرفع عصاه مرة أخرى، وقبل أن يهوي بها أمسكت أمي يده، صرخ: إوعي يا بت.. الكافرة تدبح الديك اللي بيصحيني لصلاة الفجر!

لكن النسوة أحكمن حصارهن حوله، وواحدة منهن سألته: ديك ايه اللي دبحته؟

كان جدي يحاول التخلص منهن، لينقض، مرة أخرى، على جدتي، ويزعق: عايزاني يا بت الكلب اموت عاصي في أواخر أيامي!

وهناك، بجوار "المزيرة"، كانت نتفة خبز، أو ربما حبة قمح، لست أذكر، لكن ما أذكره أنه لمحها فجرى ناحيتها، وقرقر وهو ينقرها بمنقاره، جرت ناحيته الدجاجات، والتهمتها الأسرع، فرح الديك، فنفخ حوصلته، ومط رقبته، وصاح صيحة عظيمة، خرقت أذن جدي، فنظر ناحية مصدرها بعينيه الكليلتين، ليرى الديك يضرب الهواء بجناحيه، فتسيخ أعصابه، ويسقط إلى الأرض.

***

في عصر هذا اليوم ساءت صحة جدي لدرجة قرر أبي معها إلغاء فكرة السفر، وشاع الخبر في البيت، ورقصت من شدة الفرحة، فها هو الوقت سيمتد في جنة نجع "الخمايسة"، سأتسلق النخل، وأركب "النورج"، وأمتطي الحمار، و و و.... لكن جوا من الكآبة خيم على البيت الكبير، لا ضحك النسوان يعلو، ولا هناك فرصة للعب، وزادت جهامة وجوه أعمامي.

عمي الكبير ارتدى جلبابه الصوف، الغامق، ووضع "المرشحة" على ظهر حمار قوي، وانطلق إلى "جهينة"، وبعد ساعات كانت كشافات سيارة الطبيب تخترق ظلام الليل وهي تزحف، ببطء، نحو النجع.

قال الدكتور: لازم يتنقل للمستشفى.

زادت تقطيبة وجوه أعمامي، وقالوا: إلا المستشفى.. يتعالج في بيته أحسن علاج.

أخبرهم أبي أن الرعاية الصحية أفضل في المستشفى، لكن عمي "كامل" قال: حيتبهدل.

اللمبة "العويل"، في غرفة جدي، ما زال لهبها يرسل، إلى السقف، سحبا ثقيلة من الهباب، وجدي، كعادته، ممدا تحت أغطيته الثقيلة، وعمي "حسين"، في أحد الأركان، جالسا على حصير، يرشف بهدوء كوبا من الشاي الأسود.

جلست عند ساقي جدي، ربما لمسته، فقد أحس بي، وتململ، ومن تحت أغطيته أخرج يده النحيفة، ازاح الأغطية عن وجهه، وادار رأسه بصعوبة كي ينظر إلي، وهمس: هو انت يا "سعد"!

همست: كدا برضه يا جدي! تاني "سعد"! أنا ما اسميش "سعد"؟

نهنه جدي، وأراد أن يعتدل جالسا، هب عمي "حسين" ليساعده، مد يده حول رقبته، لكن جدي زعق فيه: غور.. روح بعيد عني.

ومع ذلك لم يتركه، ولم يبتعد عنه، وظل يمهد له جلسته، بينما جدي يواصل الزعيق: غور.. غور.

ودس يده في جيب جلبابه، وأخرجها ملآنة بالحلوى الصفراء، والحمراء، ونهنه: خد كل الحلاوة دي.

كانت الغرفة غارقة في رائحة الدواء، كما ان رائحة أخرى، غريبة، كانت تنبعث من جسد جدي، قال: كدا تخليني اضرب جدتك العجوزة في آخر العمر!

***

جلس الليل على قمم النخيل، والأشجار، وتمطى في السماء، وتسلل إلى البيوت من شقوق الجدران، ومن أسافل البوابات العتيقة.

لمبات "العويل" تصارع الظلام، وشعاعات النور تموت، لا ينجو منها غير القليل.

والديك وقف على فرع تسقيفة الفرن، بين الدجاجات، والكلب باسط ذراعيه بباب حوش المواشي، وأبي وضع رأسه بين ركبتيه المضمومتين بذراعيه، كان صامتا، وأعمامي كذلك، وزوجاتهم، ولا صوت غير صوت طقطقة الحطب في نار "المنقد"، وتقلب الماء في بطن "الجوزة" المنفوخ، وصرير جراد ينتشر في الغيطان.

ولت جدتي وجهها شطر تسقيفة "البوص"، فوقها، وهمست برجاء: ربنا يعافيه ويقومه بالسلامه.

ردت إحداهن: آمين.. يسمع منك ربنا.

كنت جالسا، مع عيال أعمامي، على الدكة، لم تكن هناك أفكار ألعاب جديدة، سألني "أحمد عبد اللاه": يكونش جدنا راح يموت!

زعقت في وجهه: تفها من بقك الله يخرب بيتك.

سواد السماء صاف، ونجومها تلمع، وبدر القمر يضوي بالنور الفضي، وخارت بقرة في حوش المواشي، ورفع الكلب رأسه من بين ذراعيه المبسوطين، وقرقر الديك، وتحركت "أكرة" باب غرفة جدي حركة غريبة، لينفتح، ويطل منه جدي متوكئا على عصاه.

حطا بوهن ناحية غرفة الفرن، لم يشعر به أحد من أعمامي، ولا حريمهم، إلا عندما صار واقفا بينهم، بوغتوا، حتى أنهم وجموا لدقائق، قبل أن تعلوا اصواتهم، وهم يهبوا وقوفا: إيه اللي قومك من على دكتك دلوقتي!

ـ يابا طلعتك من أوضتك ليه؟

واحدة من حريم أعمامي قالت، لجدتي، مستبشرة: ياما انت كريم يا رب.. ربنا استجاب لدعاكي يا عمة.

دمعت عينا جدتي، واندفعت لأقبله، فصدمتني هذه الرائحة الغريبة، لأنفر من جدي، وأذهب لأجلس في حجر أمي.

ربت جدي على كتف جدتي، ونهنه: سامحيني يا بت.. انتي عارفة غلاوة الديك!

قامت جدتي، وقبلت رأسه، وقالت: مسامحاك.. وسقت عليك النبي تسامحني انت كماني.

ـ أنا نويت أريحك من قومة الفجر.

واستدرك: واحدة من الحريم دولهمه تقبا تقوم تسخن لي الميه.

وزعق: سامعه يا بت منك ليها؟

انبسطت وجوه أعمامي، ولأول مرة تضحك حريمهم في حضورهم، وانطلقنا نحو الدكة، وخبطت قعر الطست النحاسي، المسنود إلى جذع التينة، فعلا الرنين المديد: جرس المحطة ضرب.

قفز الركاب إلى القطار، الذي انطلق يقطع المسافات الشاسعة، يرمي البلاد على البلاد، وهدير القاطرة يصم الآذان، وزعق "حنان": امتى يا ريس نوصل "مصر"؟

***

هبت ريح خفيفة، وهزت قمم النخيل لتصدر عنها وشوشات واهنة، وكلاب تنبح في غيطان بعيدة، وعواء أطلقه ذئب يجوس في المقابر، غرب النجع.

جو مهيأ تماما للعب العفاريت الزرق. دست بجنبي على طرف اللحاف تحتي، لأتأكد من أنني ملفوف تماما، سمعت نشيجا، واهنا، ينبعث من جواري: انت بتبكي ياد يا "احمد"؟

لم يجب، لكن نشيجه علا، وخوفي زاد، وهمست: بتبكي ليه طيب؟

قال: خايف على جدي.

ـ من ايه؟

ـ حايف ليموت.

***

أخبرتني أمي أنها، في تلك الليلة، ذهبت إلى غرفتها، في البيت الكبير، ولم يكن معها أبي، فلقد بقي في غرفة جدي، وظلت تنتظره حتى قهرها النوم، ولما فتحت عينيها هبت مذعورة، إذ أنها لم تجد أبي على السرير، ولا على الكنبة، فتساءلت: يمكن لسه في أوضة ابوه.

قررت أن تستطلع الأمر، فأمسكت اللمبة "العويل"، الموضوعة على رف صغير بز من الجدار، وفتحت الباب، وخرجت.

هبطت الثلاث درجات فصارت في "الفسحاية"، وبوادر عاصفة أرعشت اللهب حتى أطفأته، شعر الكلب الرابض عند باب حوش المواشي بخطوات أمي فزام، رفع رأسه من بين ذراعيه، ولما اطمأن لمرآها عاد إلى غفوته.

دقت باب غرفة جدي دقة خفيفة، فسمعت صوت أبي متهدجا: أيوه.

فتحت الباب،  ودخلت، كان أبي يجلس القرفصاء، رأسه ملقى إلى الخلف متكئا إلى خزانة الملابس المتربة، وينتحب نحيبا شديدا، كل جسده يهتز، وجدي ممددا على ظهره، مغطى تماما.

أدركت ما حدث، فتقلص قلبها، لكنها سألت أبي: جرى حاجة لعمي؟

لم يحرك رأسه المسنود إلى الخزانة وهو يقول: مات.

شهقت أمي، وبدا أنها ستصرخ، إلا أن أبي قال بصوت صارم: إوعي تصرخي دلوقتي.. الناس نايمة في البيوت".

***

عصف الريح يرج النخيل، ويدحرج كراكيب قديمة من فوق الأسطح فتسقط بالضجيج، والديك وقع من فوق عرشه، وبينما يقاوم الهواء العنيف سمع صيحة جده الواقف تحت العرش السماوي، فمط رقبته، وصاح الصيحة العظيمة، سمعتها جدتي، فتقلبت تحت لحافها الثقيل وقد قطبت جبينها، فبعد قليل سيصط سمعها نداء القلق الذي يرسله جدي من خلف باب حجرته.

ترقبت جدتي هذا النداء فترة، ولما لم تسمعه تذكرت أنه قد قال لها بالأمس إنه لن يناديها مرة أخرى حتى ترتاح، لكنها لم تستطع الراحة، زاحت اللحاف عن جسدها، ولفت طرحتها على رأسها، وفتحت باب غرفتها، وخرجت، ضربها الريح البارد فضمت ذراعيها إلى صدرها، وخبأت رأسها بين كتفيها، ومن بين الدموع رأت التينة تهتز وكأنها تعاني مس عفريت، والعصافير طارت إلى حيث الأركان المنزوية التي لا تعرف الريح مكانها.

اتجهت نحو غرفة جدي، طرقت بابها، وقالت بصوت يعافر ضوضاء الصخب: صحيت يا شيخ عبد السميع؟

ضرب العصف طرحة جدتي فطيرها لتتعلق بأحد أغصان شجرة التين وتلتف حوله بشكل يصعب معه تخليصها منه، نظرت إلى السماء برأس مكشوف عن شعر أبيض مهوش، خائفة، لم تكن السماء في سوادها الصافي ككل فجر، وإنما كانت مغبرة، كأنها شحنت بدخان ألف قمينة طوب، ولما لم تسمع ردا من جدي، فتحت باب غرفته.

***

بيوت "طهطا"، ومآذن مساجدها، تلوح في الأفق، ريح الأهل تهب علي من شبابيك القطار، آخذ شهيقا طويلا، أعبق به صدري.

هذه مشارب بلد ناسي الطيبين، الذين يتفاخرون بجلابيبهم البلدي، ويتباهون بالعمم الكبيرة، المزهرة.

يهديء القطار من سرعته، كلمة "طهطا" سوداء، كبيرة، على يافطة بيضاء مغروسة في رصيف المحطة.

يتوقف القطار، أنزل بين الجموع المتدافعة إلى الرصيف.

خارج مبنى المحطة، الإنجليزي الطراز، وقف العديد من السيارات الفورد، موديل 1948، سيارات ملوكي، لكن تصاريف الزمان حولت الكثير منها إلى أجرة، ليقف بجوارها سائقوها ينادون: "جهينة"، "الطليحات"، "نزلة علي".

اتجهت ناحية هذا الأخير.

هذه "الفورد" براح من الداخل، لا بد أنها معمولة في الأصل للباشوات، ومؤكد أن هذا الزمن ليس زمنها، فلقد كركرت طويلا قبل ان تنطلق، تبصق من ماسورة عادمها كتلا من دخان أسود.

***

البيت الكبير مهجور.

إفادة العديد من الرسائل.

لقد استقل كل عم من أعمامي ببيت يخصه، ولم عياله فيه.

وجدتي ماتت بعد عام واحد من موت جدي، في غرفته، وعلى نفس الدكة.

قالوا إنها كانت، في كل فجر، تستيقظ على صيحة الديك، وتخبط باب حجرة جدي، وتقول: "ما تناديش خلاص.. أنا صحيت". وتملأ الحلة النحاس، وتضعها على الكانون المتأجج.

مرت العربة "الفورد" على هويس "الطليحات"، وانطلت نحو الغرب.

على بوابة البيت الكبير كانت عروسة ضخمة، خضراء، مرسومة بسذاجة، هل ما زالت ناصعة الاخضرار، أم إنها بهتت؟

تزحف العربة على الطريق المترب، غير الممهد، وسحابات الغبار تحوطها، فتخترق شبابيكها، وتدخل أنفي، فأسعل بشدة.

والتينة؟ والدكة التي كانت قطارنا السريع؟

***

العروسة، المرسومة على البوابة العتيقة، بهتت تماما، لم يعد واضحا منها سوى عين واحدة سوداء، والقبضة الحديدية، لم يتبق منها غير مسمار غليظ، صديء.

برهبة دفعت البوابة فنقت كالضفادع، نقيقا مديدا.

في الداخل الشمس تلهب البيت بنارها الحامية، و"الفسحاية" جافة، تعكس وهج الشمس إلى عيني فتضطرهما إلى إسدال جفنيهما.

إنها "الفسحاية" في الزمن الجديد، واسعة، أرضها جافة، مثل حوش مقبرة.

وها هي التينة، جذع جاف، عجوز، نخره السوس، تتفرع منه ثلاثة أغصان يابسة. تحسستها، هشة جدا، وعندما ضربت على جذعها بيدي، أصدر رنينا معدنيا، وتناثر من ثقوبها غبار أبيض.

"المصطبة" التي كانت جدتي تجلس عليها تسرح شعرها الأبيض عندما ذهلت لمرأى جدي وهو يهوي بعصاه إلى جنبها، إنها متهدمة، ملقى عليها بقايا حصير أكلته الشمس، وبجوارها دكة تهالكت تماما، وتحطمت ألواح خشبها، إنها القطار الذي كان يقطع المسافات الشاسعة تحت التينة، ويرمي البلاد على البلاد، وصوت طفلة اسمها "حنان" يتماوج في الفضاء، قادما من غور الزمن "امتى يا ريس نوصل مصر".

مات جدي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وسنة الحياة أن يموت جدي، فهل إذا مات جدي يموت بعده كل شيء؟

استدرت لأخرج، فتدحرجت نظراتي إلى آخر الجثث: "الطرمبة".

كانت بشارة الفجر، ومبدأ النهار، تصلصل فتصحو الحياة، ها هي ميت صدئ، تيبست يدها، فلا هي تعلو، ولا هي تنزل، مالت إلى الوراء، تنظر إلى السماء بعين متحجرة، وقد غار من جوفها الماء إلى أبد الآبدين.

***

الشمس تفر غاربة، الشمس تفر هاربة، المجرمة قتلت، في السماء، كائنا خرافي الحجم، وها هو دمه يصبغ الأفق المكبل بالشفق القاني.

الشمس تجري فتتبعثر أشعتها، وتسقط على رمال الصحراء فتتكسر، ورمال الصحراء في غرب النجع، وغرب النجع مسكون بأناس لا تتحرك، لا تتكلم، لا تأكل، لا تشرب، بيوتهم تحت الرمال، ضيقة، معتمة، لها فوق الرمال شواهد كئيبة، مصاطب طينية، عريضة، مدهونة بالجير الأبيض، والأزرق، الذي بهت.

قبر جدي معزول، في ركن بعيد من "حويزة" العائلة! حتى في موته يعتزل الناس! تظلله شجرة "جميز" عجوز، وقفت تجتر الحزن.

لا بد أنه ممدد تحت الرمال، فاتح عينيه ينظر باتجاه البيت الكبير، ينتظر صيحة النبي في الفجر، كي تصحو "نعمة الله"، وتقبض على يد "الطرمبة"، تهزها، تصلصل، فتشقشق العصافير.

كلب يمشي الهوينى متجها إلى عمق الغرب، لكنه يتوقف فجأة، يرفع رجله، ويقذف بوله على أحد القبور، قبل ان يواصل مضيه.

أمشي نحو قبر جدي، أقترب، يغمرني ظل "الجميزة"، وأقف مواجها لرأس القبر، واهمس: السلام عليك يا جدي.

تغرورق عيناي، ويتحشرج صوتي: أنا "سعد" يا جدي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة