"تشيللو"؛
عنوان الرواية الأولى للسعودي "تركي آل الشيخ".
والـ"تشيللو"
أداة موسيقية وترية، أشبه ما تكون بالـ"كمان"، وأضخم حجما.
تدور الأحداث
بشخصية رئيسة تدعى "ناصر"، عازف "تشيللو" مبتدئ، يطمح
للمشاركة في مسابقة أوروبية كبرى للعزف، لكنه لا يمتلك "تشيللو" جيدا،
ما يضطره للبحث عن واحد، يجده أخيرا في محل بيع آلات موسيقية غير مطروق، فيمنحها
له صاحب المحل بدون ثمن، لأن: هذا الـ"تشيللو" ـ تحديدا ـ ينتقى صاحبه.
تبدأ الرواية
بصفحات أولى جيدة سردا ولغة، مشجعة على القراءة، يشعر معها القارئ وكأنه يطالع
واحدة من الروايات الإنجليزية المترجمة عربيا بحرفية عالية. تصور، تلك الصفحات
الأولى، مشهدا مهيبا لعربة قديمة تجرها الجياد، يقودها غامض، لا تحدث ضجيجا رغم
ركض الجياد ذات الحديات المعدنية، ودوران العجلات على أرضية شارع ممهدة بالبلاط
الصخري، ما يفهم معه القارئ أنها عربة شبحية، تنتمي لعالم الأرواح الشريرة، تتقدم
إلى مسرح أوبرا مدينة "كريمونا" الإيطالية، والذي سيقوم بالعزف على
خشبته أحد أشهر عازفي الـ"تشيللو" الإيطاليين، "رونالدو
بازيني"، في حفل افتتاح الأوبرا.
يأخذ "بازيني"
في عزف مقطوعة فياضة الأحاسيس، تأخذ بألباب الحضور داخل القاعة، فتبهرهم، وتستجيش
مشاعرهم فتبكيهم؛ وتظل وتيرة العرف الأسيان تتصاعد وتتصاعد، محلقة بأرواح
السامعين، غير أن، وفي لحظة غير متوقعة، ينقطع العزف، ويبدو "بازيني" وكانه
نسي باقي المقطوعة الموسيقية، فيعيد العزف آملا في استمراره حتى نهايته، إلا أن
الإخفاق يتكرر، فيُسدل الستار ريثما يستعيد "بازيني" رباطة جأشه، وعندما
يُرفع تتفجر عاصفة شهقات الحضور في القاعة مرتاعة، وملتاعة: لقد ظهر "بازيني"
في قلب المسرح، بيد أنه لم يظهر واقفا على ساقيه، أو جالسا على كرسيه متهيئا
للعزف، بل معلقا من رقبته بأنشوطة، مشنوقا إلى سقف المسرح.
جرى هذا الحدث
الكئيب في القرن الثامن عشر، سنة 1720 ميلادية.
ينصرف خط السرد
الروائي عن هذا المشهد المفجع دون تقديم أسباب ظهور "بازيني" مشنوقا، ولينقلنا
"بالمكان" من "كريمونا" شمال شرق إيطاليا، إلى "الرياض"
إلى شرق أوسط "السعودية"، و"بالزمان" من القرن الثامن عشر إلى
القرن الحادي والعشرين، سنة 2020 ميلادية، حيث "ناصر" وعائلته المكونة
من أمه المريضة في أواخر أيامها، وأخته "ليلى"، و"عمر" صديقه ومدير
هوايته الموسيقية، و"سارة" صديقة "عمر" وحبيبته الشغوفة بالتصوير
الفوتوغرافي، ثم "علياء" حبيبة "ناصر"، بالإضافة إلى شخصيات
روائية أخرى ليست رئيسة، مثل "نور"، الفتاة المتعجرفة بجمالها الفتان،
وبعائلتها باهظة الثروة؛ ولنتابع التحولات المرعبة، والمميتة أحيانا، التي تتعرض
لها هذه الشخصيات بسبب لعنة لصيقة بـ"التشيللو" الذي اقتناه
"ناصر" مؤخرا.
أراد
"ناصر" عزف لحنه الخاص تدريبا واستعدادا للمسابقة الموسيقية الكبرى في
"كريمونا"، لكنه فوجئ بـ"التشيللو" يفرض عليه لحنا بارعا
أسيانا يُبكي السامعين، تتصاعد وتيرته بروعة قبل أن ينقطع فجأة، لتتصل أحداث
الرواية بفجائع متتالية، فالـ"تشيللو" يهيمن تماما على "ناصر"،
الراغب في استكمال عزف مقطوعة لا يعزفها هو، فلا تكتمل مرة، بينما الروحان
السوداوان الماثلان في امرأة شبحية مرعبة الهيأة، وطفل يواصل النشيج المريع،
يظهران لشخصيات الرواية، فيعاقبان كل من يتماس قدره مع الـ"تشيللو"
بالعذاب والموت.
تموت "نور"،
وتموت "سارة"، ويوشك "ناصر" على قتل أخته "ليلى"
خنقا، ثم تتعرض "ليلى" نفسها لمحاولات المرأة الشبحية الساعية إلى قتلها،
وكذلك "علياء".
لم يجد "ناصر"
بدا من الاستماع إلى نصائح صديقه "عمر" بحتمية التخلص من الـ"تشيللو"
الملعون. عرف الجميع أنه ملعون بعد توصلهم ـ بجهد جهيد ـ إلى المحل الذي اقتنى "ناصر"
الـ"تشيللو" منه، فإذا به محل مغلق منذ ثلاثين عاما، في حين يؤكد "ناصر"
حصوله على الـ"تشيللو" منه قبل ثلاثة أسابيع فقط.
برحلة إلى مدينة "العلا"
الأثرية، حيث يعمل حفيد صاحب محل الآلات الموسيقية الملغز، يتأكد للجميع من أن ملكية
الـ"تشيللو" اتعود إلى العازف الإيطالي التاريخي الشهير "ليوناردو
بازيني"، وأن لذلك العازف قصة مرعبة، وأن نهايات من تتماس حياتهم مع
الـ"تشيللو" منذ ذلك العصر القديم لا بد وأن تكون مفجعة، وأنه لا مناص
من قيام "ناصر" بالتخلص من التشيللو، وإلا قُتل الجميع، وانتحر هو كما
انتحر "بازيني".
يحاول "ناصر"
و"عمر" التخلص منه بشتى السبل: تحطيما، وحرقا، وتركا؛ غير أن الـ"تشيللو"
اللعين لا يتأثر، فيصطحبه "ناصر" إلى بلد منشأه الأصلي، ومحل ميلاد
صاحبه الأول، مدينة "كريمونا" الإيطالية، وفي توقيت المسابقة الكبرى
التي قبلت اشتراك "ناصر" في منافساتها.
وهناك، يتوصل إلى
سر لغز لعنة الـ"تشيللو":
إذ قبل ثلاثة
قرون، طلب مدير الأوبرا، السيد "أركاديو"، من "ليوناردو بازيني"،
عزف لحن حفل افتتاح الأوبرا، وقد جاء طلب "أركاديو" مواكبا لحالة "احتباس
إبداعي" يعانيها "بازيني"، فلا لحن جديد مبتكر، ولا نوتة فارقة،
إنه ينهار، في حين أن طموح كل مبدع هو التوهج، والاستمرار، ومن ثم الخلود في سجل
العظماء.
وبينما يجلس "بازيني"
في حديقة منزله محاولا استدعاء الإلهام تحضره روح شريره، تساومه بمقايضة بالغة
البؤس، مضمونها: لحن الخلود مقابل قيام "بازيني" بقتل زوجته الحبيبة "ماريانا"
وصغيره الوحيد "أنجلو".
وكان الناشر الأول
لرواية "منافي الرب"، السيد "إلهامي بولس"، أعد حفل توقيع
للرواية بمكتبة "البلد"، بالقرب من ميدان "التحرير" قلب
"القاهرة"، وقد قلت في الحفل قلت إنني لو خيرت بين "الإبداع"
و"أبنائي" فسأختار "الإبداع"، فما أبنائي بالنسبة إلى "مجد
الخلود"، والإبداع غيور، إذا وضعته "أولا" وضعك "أولا"،
وإذا وضعته "ثانيا" وضعك "مؤخرا"، وأنا مبدع، وكل مبدع يسعى
بروحه الخلاق إلى أن يكون مقدما خالدا.
اختار "بازيني"
لحن الخلود، وقتل "ماريانا" و"أنجلو".
بعد سنين اكتشفت
أن "الخلود" لا قيمه له إذا عشته ميتا، رمة في قبر، وأن "الحب
الأسري" هو الإبداع الحقيقي الذي يهب خلودا حقيقيا، وأن الخلود الحقيقي هو
حياة سعيدة متواصلة تقطعها، من فترة لأخرى، مطبات بائسة، لكنها لا تعطل رحلة
الحياة البهيجة. فقررت وضع "أسرتي" أولا، وليكن "الإبداع"
ثانيا مهما دفع بي إلى المؤخرة السرابية.
غير أن "بازيني"
اكتشف ذلك سريعا جدا، لأنه احترق بنار جريمته "الإضحائية" الفظيعة؛ لقد
مُنِح اللحن الأروع فعلا، فها هم الحضور يتفاعلون مع عزفه بكل أحاسيسهم، لا
يتوقفون عن التصفيق الحار، غير أن تضحيته الأليمة تفاجئه في أثناء تصاعد وتيرة
عزفه، فيندم، فينقطع اللحن، ولا يكتمل. ولأنه ندم، كان على الروح الشريرة التخلص
منه، فليس على الراغب في الخلود الندم مهما بلغت قيمة ما، أو من، فقد؛ وهكذا عُلق مشنوقا
في سماء المسرح. لقد انتحر.
وهذا هو المصير نفسه
الذي ينتظر "ناصر".
وكان "ناصر"
قد اطلع، قبل أيام، على مقطع مرئي مسجل، صورته "سارة" بكاميرتها للسيدة
"هيا"، أم "ناصر"، قبل وفاتها، تتكلم فيه عن والد "ناصر"،
السيد "عبداللطيف"، الذي كان شغوفا، أيضا، بالعزف على "الكمان"،
وكان قد استعد للذهاب إلى "كريمونا" لخوض منافسات ذات المسابقة
الموسيقية، قبل أن يحجم عن ذلك ليظل بجوار طفله "ناصر" المصاب بوعكة
صحية مفاجئة؛ وقد مات الوالد، وترك لابنه نوتة موسيقية تحتوي لحنه الخاص: اللحن
الذي لم ينتج عن "رغبة في المنافسة"، وإنما عن "رغبة قلبية"
بحتة.
وقد اعتلى
"ناصر" خشبة مسرح أوبرا "كريمونا" يحمل الـ"تشيللو"
الملعون، بالإضافة إلى خيار وحيد لا ثاني له: مواصلة العزف الذي لا يتصل، العزف
الذي يفرضه عليه هذا الـ"تشيللو" البائس، وإلا تموت "ليلي" و"علياء"،
وينتحر هو.
وبينما يعزف اللحن،
متخوفا لحظة انقطاعه، والتي سينقطع معها حبل حياته وحياة أحبابه، يحضره روح والده
الطيب، ليرشده إلى عزف ينبع من القلب، وإلى موسيقي شرقية، لا غربية، وإلى احتواء
الـ"تشيللو"، لا تحديه.
وتخلص الرواية
بنهاية سعيدة:
يعزف
"ناصر" لحن والده، فيتحول شبحا "ماريانا" و"أنجلو"
من شريرين قبيحين إلى طيبين جميلبن، قبل ان يغادرا عالم الأحياء إلى عالم الأرواح.
ويُقضى على الأرواح الشريرة، وتزول الآلام عن "علياء" و"ليلي"،
ويتزوج "ناصر" من "علياء"، ويواصل نجاحه بالعزف في أكبر
المحافل الموسيقية بـ"نيويورك" الأمريكية.
لقد قرأنا دور "الألم
والمعاناة" في استنباط "إبداع حقيقي فارق"؛ وليس ألم أشد وأقسى من
ألم قتل الأعزاء، ماديا أو معنويا، يولد إبداعا فائقا، غير أن هذا القتل لا يمكن
أن يكون دافعا صحيحا لإبداع فائق متواصل؛ وهكذا إذا نسف المبدع زوايا الحب لا مفر
من انهياره شخصيا.
كما قرأنا دور "التراث"
في علاج "أمراض العصر"، وأشدها فتكا "الغربنة"، وهو مرض قديم
يصيب الحضارات، أصاب الحضارة العربية قبل ثلاثة قرون، مع استقواء إمبراطوريات "أوروبا"
على بلاد "العرب"، واحتلالها بمزاعم مخملية أشبه بنعومة أنغام الـ"تشيللو"،
غير أنها على الحقيقة مزاعم شبحية شيطانية، ما يعني أن الباحث عن حل للمشكلة
العربية في التواصل مع اللحن الغربي سيظل تائها ضالا، يواجه آلام الانفصال عن
منبته ومحاولات الاتصال بجسم غريب يلفظه مهما زين له التقرب والامتزاج. أما الحل الناجع
ففي نوتة الأب، أي: في التراث. وفي موسيقانا الشرقية، أي: في وحينا "الروحي /
القلبي".
وكل ما سبق قد
تطرحه الرواية بجلاء على قارئ شغوف بالإسقاط والترميز، أما الكاتب نفسه، "تركي
آل الشيخ"، فلا يبدو أنه قد انتبه إلى إسقاطات روايته ورموزها، فأفسدها بما فقدها
مدلولاتها العميقة، وتأويلاتها المستحقة، لصالح هدف غث القيمة، تمثل في المحافظة
على إيقاع الرواية باعتبارها رواية "رعب" لا أكثر. ولن نقدم براهين
الإفساد، بل نتركها للقارئ، يستخلصها بنفسه، وهي سهلة الاستخلاص.
كيف كتب "تركي"
روايته هذه؟
إنها روايته
الأولى، والعمل الأدبي الأول عمل "استثنائي"، فهو العمل الذي يمثل واجهة
الكاتب وبريده إلى القراء، وزمان قالت الجدات المصريات: "الجواب يبان من
عنوانه". والعمل الأدبي الأول "جواب" بعنوان الكاتب، فلا عليه لو
تريث طويلا قبل إصداره، وله أن يعتبره العمل الأهم في تجربته الأدبية، غير أن
زماننا "الفيسبوكي" طلع علينا بقراء "تيك اواي"، يلتمسون
العذر لكاتب العمل الأول، الذي لم يزل على أول الطريق، وأنه لا شك سيتطور بتقاطر
أعماله القادمة، وهذه قاعدة "مستحدثة" مسيئة للأدب وللكاتب أبلغ إساءة،
إذ أن الكاتب لو لم يتمكن من فرض هيمنته الإبداعية بعمله عليه إيثار سلامة الذوق
الأدبي، وترك الكتابة، والتماس مواهبه في مجالات أخرى.
والرواية سردية
أولى لكاتبها، قام بنشرها على عجالة، قبل استواء جميع عناصرها الأدبية، فاللغة "ضحلة"،
والأسلوب "ركيك"، والفكرة "منحولة" من مشاهد الرعب المكرورة بأفلام
"هوليود" للتفزيع والتخويف؛ كما أنها إحدى ظهورات شغفه بقراءة أدب
"نبيل فاروق" ومن على شاكلته السردية، بحسب تصريح الكاتب بإحدى تغريداته
على "تويتر"، هذا بالإضافة إلى تصريحه الذي يقر فيه بعدم إلمامه بـ"أدوات
الكتابة"، ما اضطره إلى تشكيل ورشة لكتابة هذه الرواية، والمفاجأة أن الورشة
كانت بإشراف الروائي السعودي الشهير "عبده خال"، مع ذلك لم تفلح الورشة
في إنشاء رواية متماسكة!
أما أجمل ما في
الرواية، وتفوقت به على مثيلاتها، فهو إخراجها الفني: الغلاف "الفخم"، والورق
"المصقول"، واللوحات "المرسومة خصيصا" دعما للأحداث، مع ذلك
فقد تعرض "التدقيق اللغوي" للسقوط في أخطاء عديدة ساذجة وفادحة، منها الضمائر
غير المتزنة، والإملاء المكسور، وكأن "تركي آل الشيخ" يقدم بروايته هذه
تناقضا مواكبا لتناقضه الشخصي، فالرواية يناقض مضمونها الأدبي الضحل إخراجها الفني
الفحل، تماما كما تناقض حفلاته الترفيهية "غربية" الطبع، والمسؤول عن
تنظيمها بصفته وزيرا للترفيه السعودي، الدعوة التي تطرحها روايته بضرورة الإنصات
لخطط الآباء "العربية"، وتراث الأجداد، كسبيل أكيد يؤدي إلى الحفاظ على
الوجه العربي الأصيل.

إرسال تعليق